Affichage des articles dont le libellé est معجزات و رجال خالدون. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est معجزات و رجال خالدون. Afficher tous les articles

jeudi 7 février 2013

خالد بن الوليد .... سيف الله

خالد بن الوليد .... سيف الله المسلول

خالد بن الوليد قائد إسلامي عظيم كان من المجاهدين المسلمين الذين عاصروا الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وأطلق الرسول عليه لقب سيف الله المسلول،كانت بدايته في الجاهلية حتى منّ الله سبحانه وتعالى عليه بنعمة الهداية،فدخل في الإسلام بعد غزوة الأحزاب، وبعد إسلامه قاتل بسيفه أعداءه من المشركين والمنافقين كان قائداً حربياً لا يشق له غبار، وتولى قيادة الجيش الإسلامي في العديد من المعارك الهامة والتي كللت بالنصر من عند الله.

قال عنه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام " ما مثل خالد من جهل الإسلام ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له ولقدمناه على غيره"، وبعد الإسلام قال له النبي عليه الصلاة والسلام" الحمد لله الذي هداك ،لقد كنت أرى لك عقلاً رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير" .



النشأة

هو خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي، أبو سليمان، ولد عام 584 م لعائلة رفيعة النسب فكان والده الوليد بن المغيرة أحد أشراف وأثرياء قريش، تدرب خالد منذ الصغر على الفروسية وأظهر فيها الكثير من البراعة حتى أصبح فارساً عظيماً لا يشق له غبار، فكان واحداً من ألمع قادة فرسان قريش،كما تولي مهمة "القبة والأعنة" وراثة عن أبيه.

حارب خالد بن الوليد أولاً ضمن صفوف المشركين ضد المسلمين في معركة واحدة فقط هي أحد وكان أحد القادة المشركين المعادين للإسلام، بل لقد كان صاحب الفضل في تحويل نصر المسلمين في غزوة أحد إلى هزيمة بعد أن هاجم الجيش الإسلامي من الخلف وذلك بعد أن تخلى الرماة عن مواقعهم، وقاتل قتالاً شرساً ضد المسلمين هذا إلى النقيض تماماً مما حدث بعد إسلامه فقد قاتل بعد ذلك في سبيل الله قتالاً رائعاً استبسل فيه واستدعى جميع مهاراته كفارس فكانت له العديد من الانتصارات والبطولات في المعارك التي خاضها لصالح المسلمين.



إسلامه

قام بإعلان إسلامه في العام الثامن للهجرة وذلك قبل فتح مكة بستة أشهر وقبل غزوة مؤتة بنحو شهرين، وقد أعلن إسلامه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل من عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، ومنذ أن أعلن إسلامه لم يرفع خالد بن الوليد سيفه قط سوى لنصرة الإسلام والمسلمين فكان نعم القائد والفارس الشجاع الذي مكنه الله من تسليط سيفه على رقاب المشركين فكان يعود له هذا السيف بالنصر والعزة للإسلام، وقد أطلق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقب " سيف الله المسلول"


دوره كقائد إسلامي


كانت أولى الغزوات التي شارك فيها خالد بعد إسلامه غزوة مؤتة التي كانت بين كل من المسلمين والغساسنة والروم، وقد أظهر الكثير من البراعة والحنكة القتالية في هذه الغزوة وقاد الجيش المسلم بعد أن سقط أمرائه الثلاثة زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة في المعركة، وقد استبسل في هذه المعركة حتى أنه دقت في يده تسعة سيوف أثناء القتال.

وقد شارك أيضاً في فتح مكة فقد ولاه الرسول عليه الصلاة والسلام على واحدة من الكتائب الإسلامية التي ذهبت للفتح، كما كانت له العديد من المشاركات الأخرى فشارك في حروب الردة التي شنها أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة الرسول على المرتدين والمنافقين، فقام أبو بكر بتوكيل مهمة ردع هؤلاء المرتدين لأحد عشر قائدا أولهم خالد بن الوليد الذي أبلى خير البلاء في هذه المهمة وكان على رأس هؤلاء المرتدين طليحة بن خويلد، مسيلمة بن ثمامة أو الكذاب واللذان أدعيا النبوة، فلقد ارتد طليحة وقام بادعاء النبوة والتف حوله قبيلة بني أسد فسارإليه خالد ودحره هو ورجاله فعاد إلي الإسلام، كما ارتد مسيلمة وادعى النبوة والتفت حوله قبيلة بني حنيفة بأرض اليمامة فسار خالد إليهم أيضاً وكانت اكبرالمعارك التي خاضها المسلمون في حروب الردة وأنتصر خالد وقتل مسيلمة .

قام الخليفة أبو بكر الصديق بتولية خالد على أجناد العراق وذلك من أجل قتال الفرس فأستبسل خالد في قتال الفرس هو وجنود المسلمين وظل يقاتلهم حتى أبادهم، فشهدت ارض العراق تحقيق انتصارات مذهلة لجيش المسلمين تحت قيادة خالد بن الوليد لهم وقام بالسيطرة على أجزاء كبيرة من بلاد فارس واستطاع دخول الحيرة.

من المعارك الهامة أيضاً التي قام خالد بقيادة الجيش فيها معركة اليرموك والتي وقعت ضد جيش الروم فقد اظهر فيها خالد الكثير من موهبته القيادية والقتالية على حد سواء،فقام بتوحيد جيوش المسلمين لتصبح قوة واحدة في وجه الجيش الرومي، وتقاسم الإمارة مع غيره من القادة الأكفاء فاتفق معهم على أن يتولى أمارة الجيش كل يوم واحداً منهم، وبدأ بنفسه فاظهر الكثير من المهارة في ترتيب الجيوش والاستبسال في القتال.

وفي هذه المعركة مع جيوش الروم خرج جرجة أحد القادة الروم لمبارزة خالد وعندما خرج خالد لمبارزته سأله القائد الرومي قائلا: هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم

قال خالد : لا

قال جرجة: فيم سميت سيف الله ؟

قال خالد : إن الله عز وجل بعث فينا نبيه محمد عليه الصلاة والسلام فنفرنا عنه ونأينا عنه جميعاً ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا باعده وكذبه فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتبعناه.

فقال عليه السلام أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين ودعا لي بالنصر فسميت سيف الله بذلك، فأنا من أشد المسلمين على المشركين.

قال جرجة: صدقتني فأخبرني إلام تدعوني .

قال خالد : إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله والإقرار بما جاء به من عند الله.

قال جرجة : فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم.

قال خالد : منزلتنا واحدة فما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا وأولنا وأخرنا، فأنقلب جرجة إلى صف خالد وقال له : علمني الإسلام وأخذه خالد إلى خيمته وأتاه بماء ليتطهر ثم لقنه الشهادتين وخرجا معاً يقاتلان الروم .



أخلاق الفرسان

توفى أبو بكر الصديق رضي الله عنه واستخلف عمر بن الخطاب مكانه خليفة للمسلمين، ولما علم خالد بذلك لم يخبر احد حتى لا يحدث توتر وهرج في صفوف المسلمين، ومضى يضرب بسيفه يميناً ويساراً في صفوف الروم ويستحث الرجال على الإقدام والقتال حتى تحقق النصر للمسلمين وتقهقر جيش الروم مهزوماً مخذولاً.

وبعد وفاة أبي بكر وتولي عمر الخلافة أمر بتولية أبي عبيدة بن الجراح إمارة جيش المسلمين في الشام بدلاً من خالد بن الوليد، وعلى الرغم من هذا لم يقابل خالد هذا الأمر بالغضب أو الضيق بل سلم أبي عبيدة قيادة الجيش كما أُمر وهذا إن دل فإنما يدل على أخلاق عظيمة تمتع بها هذا الفارس المسلم العظيم الذي كان دائماً يؤثر رفعة الإسلام ونصره وإطاعة الخليفة عن أي أطماع شخصية قد تطول غيره، وبعد أن تسلم أبي عبيدة قيادة الجيش قاتل خالد بن الوليد في جيش المسلمين كجندي مخلص ينفذ أوامر قائده.



وفاة الفارس

توفى خالد بن الوليد عام 642م هذا البطل، والفارس المسلم الذي أسلم بعد أن كان مشركاً فآمن بالله والرسول ورفع سيفه من أجل نصرتهم فكان سيفه يرد إليه بالنصر وعلى الرغم من كثرة الحروب التي خاضها إلا أن وفاته لم تكن في أي من هذه المعارك بل جاءته وهو في فراشه وقال في هذا "ما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي، كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".

رحم الله خالد بن الوليد ورضي عنه وعن غيره من المسلمين الذين لم يدخروا جهداً من أجل نصرة دينهم والدفاع عنه، وجزاه خير الجزاء عن المسلمين.

vendredi 25 janvier 2013

شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية


ولادته :
ولد -رحمه الله- في السابع من شهر صفر الخير سنة (691هـ).
نسبه ونسبته :
هو الفقيه، المفتي، الإمام الربّاني شيخ الإسلام الثاني أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزُّرعي ثم الدِّمشقي الشهير بـ"ابن قيم الجوزية" لا غيره خلافًا للكوثري الذي نبزه بـ"ابن زفيل" .

أسرته ونشأته وطلبه للعلم :

نشأ ابن قيِّم الجوزية في جوِّ علمي في كنف والده الشيخ الصالح قيم الجوزية، وأخذ عنه الفرائض، وذكرت كتب التراجم بعض أفراد أسرته كابن أخيه أبي الفداء عماد الدين إسماعيل بن زين الدين عبد الرحمن الذي اقتنى أكثر مكتبة عمّه، وأبناؤه عبد الله وإبراهيم، وكلهم معروف بالعلم وطلبه.
وعُرف عن ابن قيم الجوزية -رحمه الله- الرغبة الصادقة الجامحة في طلب العلم، والجَلَد والتَّفاني في البحث منذ نعومة أظفاره؛ فقد سمع من الشِّهاب العابر المتوفى سنة (697هـ) فقال -رحمه الله- : "وسمّعت عليه عدّة أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه؛ لصغر السِّنِّ ، واخترام المنية له -رحمه الله- " وبهذا يكون قد بدأ الطلب لسبع سنين مضت من عمره.
تلاميذه :
1- ابن رجب الحنبلي ، صرح بأنه شيخه، ثم قال: "ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة ، وسمّعت عليه قصيدته النونية الطويلة في السّنة ، وأشياء من تصانيفه وغيرها" .
2- ابن كثير -رحمه الله- قال : "وكنت من أصحب الناس له وأحبّ الناس إليه" .
3- الذهبي -رحمه الله- ترجم لابن القيم الجوزية في "المعجم المختص" بشيوخه .
4- ابن عبد الهادي -رحمه الله- ؛ كما قال ابن رجب: "وكان الفضلاء يعظمونه ويتتلمذون له كابن عبد الهادي وغيره" .
5- الفيروزآبادي صاحب "القاموس المحيط" ، كما قال الشوكاني: "ثم ارتحل إلى دمشق فدخلها سنة (755هـ) فسمع من التقي السبكي وجماعة زيادة عن مائة كابن القيم" .

ثناء العلماء عليه :

قال ابن كثير -رحمه الله- : "سمع الحديث ، واشتغل بالعلم ، وبرع في علوم متعددة ، ولا سيما علم التفسير والحديث الأصلين ، ولما عاد الشيخُ تقي الدين ابن تيمية من الدّيار المصرية في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علمًا جمًّا ، مع ما سلف له من الاشتغال؛ فصار فريدًا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطَّلَب ليلًا ونهارًا، وكثرة الابتهال ، وكان حسنَ القراءة والخُلُق ، وكثيرَ التَّودُّد لا يحسدُ أحدًا ولا يؤذيه ، ولا يستغيبُه ولا يحقدُ على أحد ، وكنت أصحب الناس له ، وأحب الناس إليه ، ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثرَ عبادة منه، وكانت له طريقةٌ في الصلاة يطيلها جدًا ، ويمدُّ ركوعَه وسجودَه ويلومُه كثير من أصحابه في بعض الأحيان ، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك -رحمه الله- ، وله من التّصانيف الكِبار والصِّغار شيءٌ كثير ، وكتَبَ بخطّه الحسنِ شيئًا كثيرًا ، واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عشره من كتب السلف والخلف.

وبالجملة كان قليلَ النظير في مجموعه وأموره وأحواله ، والغالب عليه الخيرُ والأخلاقُ الصالحةُ ، سامحه الله ورحمه" .
قال ابن رجب -رحمه الله- : "وتفقه في المذهب ، وبرع وأفتى ، ولازم الشيخ تقي الدين وأخذ عنه ، وتفنَّن في علوم الإسلام ، وكان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه ، وبأصول الدين ، وإليه فيهما المنتهى ، والحديث معانيه وفقهه ، ودقائق الاستنباط منه ، لا يُلحق في ذلك ، وبالفقه وأصوله وبالعربية ، وله فيها اليَدُ الطولى ، وتعلم الكلام والنَّحو وغير ذلك ، وكان عالمًا بعلم السّلوك ، وكلام أهل التّصوف وإشاراتهم ودقائقهم ، له في كل فَنّ من هذه الفنون اليد الطولى.

وكان -رحمه الله- ذا عبادة وتَهَجد ، وطول صلاة إلى الغاية القصوى ، وَتَألُّه ولهج بالذّكر ، وشغف بالمحبة ، والإنابة والاستغفار ، والافتقار إلى الله والانكسار له ، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته ، لم أشاهد مثله في ذلك ، ولا رأيت أوسع منه علمًا ، ولا أعْرَف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله " .
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي -رحمه الله- : "وكان ذا فنون في العلوم ، وخاصة التفسير والأصول في المنطوق والمفهوم" .
وقال السيوطي -رحمه الله- : "قد صَنَّفَ ، وناظر ، واجتهد ، وصار من الأئمة الكبار في التفسير والحديث ، والفروع ، والأصلين ، والعربية" .
رحلات الإمام ابن القيم -رحمه الله-
قَدم ابن قيّم الجوزية -رحمه الله- القاهرة غير مرّة ، وناظر ، وذاكر.
وقد أشار إلى ذلك المقريزي فقال : "وقدم القاهرة غير مرّة" .
قال: "وذاكرت مرة بعض رؤساء الطب بمصر" .
وقال: "وقد جرت لي مناظرة بمصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرياسة" .
وزار بيت المقدس، وأعطى فيها دروسًا.
قال: "ومثله لي قلته في القدس" .
وكان -رحمه الله- كثير الحجِّ والمجاورة كما ذكر في بعض كتبه . قال ابن رجب: وحج مرات كثيرةً، وجاور بمكة، وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدّة العبادة وكثرة الطواف أمرًا يُتعجب منه" .

علاقة الإمام ابن القيم -رحمه الله- بشيخه ابن تيمية :

بدأت ملازمة ابن قيم الجوزية لشيخ الإسلام ابن تيمية عند قدومه إلى دمشق سنة (712هـ) ، واستمرت إلى وفاة الشيخ سنة (728هـ) ، وبهذا تكون مدة مرافقة ابن قيم الجوزية لشيخه ستة عشر عامًا بقي طيلتها قريبًا منه يتلقى عنه علمًا جمًا ، وقرأ عليه فنونًا كثيرة.
قال الصفدي: "قرأ عليه قطعة من "المحرّر" لجدّه المجد، وقرأ عليه من "المحصول" ، ومن كتاب "الأحكام" للسيف الآمدي، وقرأ عليه قطعة من "الأربعين" و"المحصل" وقرأ عليه كثيرًا من تصانيفه" .
وبدأت هذه الملازمة بتوبة ابن قيم الجوزية على يدي شيخه ابن تيمية ؛ كما أشار إلى ذلك بقوله :
يــا قـوم والله العظيـم نصيحة *** مـن مشفق وأخ لكـم معــوان
جربت هـذا كلـه ووقعت فــي *** تلك الشبــاك وكنت ذا طيــران
حتى أتـاح لــي الإلـه بفضلـه *** مـن ليس تجـزيه يدي ولسـاني
فتـى أتـى مـن أرض حـرّان فيا *** أهلًا بمـن قـد جـاء من حـران
وكان لهذه الملازمة أثرٌ بالغٌ في نفس ابن قيم الجوزية ؛ فشارك شيخه في الذَّبِّ عن المنهج السلفي، وحمل رايتَه من بعده ، وتحرر من كل تبعية لغير كتاب الله وسُنة رسوله صلي الله عليه وسلم بفهم السلف الصالح.

قال الشوكاني : "وليس له على غير الدليل مُعَوَّل في الغالب، وقد يميل نادرًا إلى المذهب الذي نشأ عليه، ولكنه لا يتجاسر على الدَّفع في وجوه الأدلة بالمحامل الباردة ؛ كما يفعله غيرُه من المتمذهبين، بل لا بد له من مستند في ذلك ، وغالب أبحاثه الإنصافُ والميلُ مع الدليل حيث مال، وعدم التعويل على القيل والقال، وإذا استوعب الكلام في بحث وطوَّل ذيولَه أتى بما لم يأت به غيره، وساق ما ينشرح له صدورُ الراغبين في أخذ مذاهبهم عن الدليل، وأظنها سرت إليه بركةُ ملازمته لشيخه ابن تيمية في السَّراء والضّراء والقيام معه في محنه، ومواساته بنفسه، وطول تردده إليه.

وبالجملة فهو أحد من قام بنشر السُّنة، وجعلها بينه وبين الآراء المحدثة أعظم جُنَّة ، فرحمه الله وجزاه عن المسلمين خيرًا .
ومع هذا كله فلم يكن ابن قيم الجوزية -رحمه الله- نسخةً من شيخه ابن تيمية، بل كان متفننًا في علوم شتى -باتفاق المتقدمين والمتأخرين- تدل على علو كعبه، ورسوخه في العلم.
وكيف يكون ابن قيم الجوزية مُرَدِّدًا لصدى صوت شيخه ابن تيمية -رحمه الله- وهو ينكرُ التقليدَ ويحاربُه بكلِّ ما أتي من حَوْل وقوَّة؟!
مؤلفاته :
ضرب ابن قيم الجوزية بحظ وافر في علوم شتى يظهر هذا الأمر جَليًّا لمن استقصى كتبه التي كانت للمتقين إمامًا، وأفاد منها الموافق والمخالف.
قال ابن حجر -رحمه الله- ، "ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية صاحب التصانيف النافعة السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته" .
وإليك أشهرها مرتَّبة على حروف المعجم:
1- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية.
2- أحكام أهل الذمة.
3- إعلام الموقعين عن رب العالمين.
4- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان.
5- بدائع الفوائد.
6- تحفة المودود في أحكام المولود.
7- تهذيب مختصر سنن أبي داود.
8- الجواب الكافي، وهو المسمى "الداء والدواء".
9- جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على محمد صلي الله عليه وسلم خير الأنام.
10- حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.
11- حكم تارك الصلاة.
12- "الرسالة التبوكية "وهو الذي بين يديك.
13- روضة المحبين ونزهة المشتاقين.
14- الروح.
15- زاد المعاد في هدي خير العباد.
16- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل.
17- الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة.
18- طريق الهجرتين وباب السعادتين.
19- الطرق الحكمية في السياسة الشرعية.
20- عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، وقد انتهيت من تحقيقه بحمد الله وفضله على نسختين خطيتين.
21- الفروسية.
22- الفوائد.
23- الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية ، وهي "القصيدة النونية".
24- الكلام على مسألة السماع.
25- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
26- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة.
27- المنار المنيف في الصحيح والضعيف.
28- هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى.
29- الوابل الصيب في الكلم الطيب.
محنة وثباته :
حُبس مع شيخه ابن تيمية في المرة الأخيرة في القلعة منفردًا عنه بعد أن أهين وطيف به على جمل مضروبًا بالدرة سنة (726هـ) ، ولم يفرج عنه إلا بعد موت شيخه سنة (728هـ) .
وحبس مرة لإنكاره شدّ الرحال إلى قبر الخليل.
قال ابن رجب -رحمه الله- : "وقد امتحن وأوذي مرات" .
مشاهير شيوخ الإمام ابن القيم -رحمه الله-
تلقى ابن قيم الجوزية -رحمه الله- العلم على كثير من المشايخ ، ومنهم:
1- قيم الجوزية والده -رحمه الله-.
2- شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لازمه ، وتفقه به، وقرأ عليه كثيرًا من الكتب ، وبدأت ملازمته له سنة (712هـ) حتى توفي شيخ الإسلام سجينًا في قلعة دمشق (728هـ).
3- المزي -رحمه الله- .
مكتبة الإمام ابن القيم -رحمه الله-
كان ابن قيّم الجوزية -رحمه الله- مُغرمًا بجمع الكتب، وهذا دليلُ الرَّغبة الصّادقة للعلم بحثًا وتصنيفًا، وقراءةً وإقراءً يظهر ذلك في غزارة المادة العلمية في مؤلفاته، والقدرة العجيبة على حشد الأدلة.
وقد وصف تلاميذه -رحمهم الله- مكتبته فأجادوا:
قال ابن رجب: "وكان شديد المحبة للعلم وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره" .
وقال ابن كثير -رحمه الله-: "واقتنى من الكتب ما لم لا يتهيأ لغيره تحصيل عُشْرِه من كتب السلف والخلف" .
قلت: ومع هذا كله يقول بتواضع جم: "بحسب بضاعتنا المزجاة من الكتب" .
ورحم اللهُ شيخه شيخَ الإسلام ابن تيمية القائل: "فمن نوّر الله قلبه هداه ما يبلغه من ذلك، ومن أعماه لم تزدْهُ كثرةُ الكتب إلا حيرة وضلالةً".
وفاته :
توفي -رحمه الله- ليلة الخميس ثالث عشرين من رجب الفرد سنة (751هـ) ، ودفن بدمشق بمقبرة الباب الصغير -رحمه الله- وأسكنه الفردوس الأعلى ، وجمعنا وإياه في عليين مع النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين ، وحسن أولئك رفيقًا.

vendredi 18 janvier 2013

نهاية قارون

نهاية "قارون"


هذه قصة البطر والإستعلاء في الأرض..وترك شكر الله على النعم
كان قارون من قوم موسى"عليه السلام" كان اسمه يصهر بن قاهث بن يعقوب وكان في النسب إلى موسى ابن عمه.

وكان في غاية فقهه وفهمه فكان أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون ، وأقرأهم للتوراة وأجملهم هيئة وطلعة ، وكان عاملاً لفرعون على بني إسرائيل ، عندما كانوا بأرض مصر ، فبغى عليهم وظلمهم وجمع منهم أموالاً طائلة وترفع على قومه وتكبر ، فلما دعاه موسى عليه السلام للإيمان وترفق معه في الدعوة لقرابته ، نافق في إظهار إسلامه ،

وقيل ان قارون هو أول من أطال ثيبه حتى زادت عن قامته شبراً.

وكان من قصة قارون أن الله رزقه باموال عظيمة جداً..حتى قيل :كانت مفاتيح خزائنه من جلود تحمل على أربعين بغلاً.
وأخذ يزداد مالاً وتكبراً يوماً بعد يوم ، وجعل له أتباعاً كأتباع موسى عليه السلام ، وإتخذ له قصراً جعل أبوابه من الذهب يجتمع فيه مع ناديه من بني إسرائيل فيطعمهم ويسامرونه ويجالسهم فيضحكونه ، قال تعالى : ( إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ) 76 القصص .

فكان ( قارون ) أغنى أهل الأرض في زمانه ، فعندما أراد الله أن يصف ثروته في كتابه العزيز ، قال بأن مفاتيح خزائنه يعجز عن حملها العصبة اولو القوة من الرجال ، وقيل العصبة سبعون رجلاً ، وقد سمى القرآن الكريم خزائنه بأنها كنوز ، لما قيل بأن سبب ثروته عثوره على كنز من كنوز يوسف عليه السلام ، أو لأنه إكتنز أمواله فلم يؤد عنها زكاتها ، وكان يحمل هذه المفاتيح على أربعين بغلاً ، إذ كانت البغال وسيلة الركوب وقتها ، ويأخذها معه أينـما ذهـب تكبراً واستعلاء عـلى القوم ، قـال تـعالى : ( وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة اولى القوة ) 76 القصص .

ولما نزلت الزكاة على ( موسى ) عليه السلام وعلم بها قارون ، أتى إلى موسى وصالحه على كل ألف من الدراهم درهماً واحداً ، وكذلك على بقية الأموال بجميع أنواعها ، والأنعام بكل أصنافها ، ثم عاد إلى مجلسه مع رفاقه ، فجمع ما سوف يدفعه زكاة لموسى فوجدها أموالاً طائلة فاستكثرها ولم تسمح بها نفسه ، فجمع بني إسرائيل وأخبرهم بأن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه ، وهو الآن يريد أخذ أموالنا منا ، فقالوا إنك أميرنا فانظر ماذا تأمرنا به فإنا له فاعلون .

دبر ( قارون ) مكيدة عظيمة يتخلص بها من دعوة موسى عليه السلام محاولاً إظهار كذب دعوته أمام الملأ ليمنعهم عن طاعته في دفع الزكاة.

فقال لبني إسرائيل: "إن موسى يقول من زنى رجم,فتعالوا نجعل إمرأة باغية تقول أن موسى فعل بها هذا فيرجم ونستريح منه"
ففعلوا ذلك!

فخرج في زينته وهيئته يختال أمام القوم ، وطلب إلى المرأة العاهرة أن تشهد معه فيما يقول لموسى عليه السلام ، عندما يلقاه ويحاول تقديم النصح والدعوة له ، وخرج ( قارون ) في زينته ومن حوله الخدم والحشم في ركابهم المحلاة بالذهب والياقوت ، والخدم ممن يقومون على خدمته ، أما الحشم فهم الذين يدافعون عنه ويغضبون لغضبه فيثأروا له نيابة عنه ، فلما رآه القوم إفتتن به بعض المؤمنين ضعاف النفوس ، وقالوا ليت لنا مثل ما اوتي قارون من الغنى واليسار ، وظنوا أنه ذو حظ عظيم عند الله إذ وهبه كل هذا .

 خرج ( موسى ) عليه السلام كعادته في يوم زينتهم ، ليدعوا الناس إلى عبادة الله ، وكان قد سمع قوا أتباعه في موكب قارون وعلم أن الفتنة دبت في نفوسهم ، فأخذ يذكرهم بتعاليم دينهم ويحثهم على فعل الخيرات والإمتناع عن الرذيلة والفساد .

فتقدم ( قارون ) وإتهم موسى في شرفه قائلاً :" كيف تنصحنا وتفعل منكراً "، وأشار إلى المرأة العاهرة وطلب من القوم أن يسألوها عما كان من موسى معها  ولما جاءت عظم عليها موسى، وارتعدت المرأة وتلعثمت ، وعلمت أنها أمام رسول كريم
  وسألها موسى بالذي فلق البحر لبني إسرائيل إلا صدقت؟
فأقرت المرأة بالحق ,فخر موسى ساجداً لله يبكي,فأوحى الله إليه:"إني أمرت الأرض أن تطيعك فأمرها بما شئت" فأمرها ,فخسفت بقارون ومن معه.
وقال بن كثير: خُسف به إلى الأرض السابعة

jeudi 17 janvier 2013

شيخ الإسلام ابن تيمية

 

 

نسب ابن تيمية ومولده:

هو شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن محمد بن الخَضِر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية. وُلِد بحرَّان سنةَ 661هـ، ولما بلغ من العمر سبع سنوات انتقل مع والده إلى دمشق؛ هربًا من وجه الغزاة التتار.

نشأة ابن تيمية:

نشأ في بيت علم وفقه ودين، فأبوه وأجداده وإخوته وكثير من أعمامه كانوا من العلماء المشاهير؛ منهم جده الأعلى (الرابع) محمد بن الخضر، ومنهم عبد الحليم بن محمد ابن تيمية، وعبد الغني بن محمد ابن تيمية، وجده الأدنى عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية مجد الدين أبو البركات، وأبوه عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، وأخوه عبد الرحمن وغيرهم.
ففي هذه البيئة العلمية الصالحة كانت نشأة صاحب الترجمة، وقد بدأ بطلب العلم أولاً على أبيه وعلماء دمشق، فحفظ القرآن وهو صغير، ودرس الحديث والفقه والأصول والتفسير، وعُرف بالذكاء وقوة الحفظ والنجابة منذ صغره. ثم توسَّع في دراسة العلوم وتبحر فيها، واجتمعت فيه صفات المجتهد وشروط الاجتهاد منذ شبابه، فلم يلبث أن صار إمامًا يعترف له الجهابذة بالعلم والفضل والإمامة، قبل بلوغ الثلاثين من عمره.

إنتاج ابن تيمية العلمي:

وفي مجال التأليف والإنتاج العلمي، فقد ترك الشيخ للأمة تراثًا ضخمًا ثمينًا، لا يزال العلماء والباحثون ينهلون منه معينًا صافيًا. وقد توفرت لدى الأمة منه الآن المجلدات الكثيرة، من المؤلفات والرسائل والفتاوى والمسائل وغير ذلك من المطبوع، وما بقي مجهولاً ومكنوزًا في عالم المخطوطات فكثير.

المجالات العلمية التي أسهم فيها شيخ الإسلام ابن تيمية:

لم يترك الشيخ مجالاً من مجالات العلم والمعرفة التي تنفع الأمة، وتخدم الإسلام إلا كتب فيه، وتلك خصلة قلَّما توجد إلا عند العباقرة النوادر في التاريخ.
فلقد شهد له أقرانه وأساتذته وتلاميذه وخصومه بسعة الاطلاع، وغزارة العلم، فإذا تكلم في علم من العلوم أو فنٍّ من الفنون ظنَّ السامع أنه لا يتقن غيره؛ وذلك لإحكامه له وتبحره فيه. وإن المطلع على مؤلفاته وإنتاجه، والعارف بما كان يعمله في حياته من الجهاد باليد واللسان، والذبِّ عن الدين، والعبادة والذكر، ليعجب كل العجب من بركة وقته، وقوة تحمله وجلده، فسبحان من منحه تلك المواهب.

عصر الإمام ابن تيمية:

لقد عاش المؤلف (رحمه الله) في عصر كثرت فيه البدع والضلالات، وسادت كثير من المذاهب الباطلة، واستفحلت الشبهات، وانتشر الجهل والتعصب والتقليد الأعمى، وغزيت بلاد المسلمين من قبل التتار والصليبيين (الإفرنج).
ونجد صورة عصره جلية واضحة من خلال مؤلفاته التي بين أيدينا؛ لأنه اهتم بأجلِّ أمور المسلمين وأخطرها، وساهم في علاجها بقلمه ولسانه ويده، فالمتأمل في مؤلفات الشيخ يجد الصورة التالية لعصره:
- كثرة البدع والشركيات، خاصةً حول القبور والمشاهد والمزارات المزعومة، والاعتقادات الباطلة في الأحياء والموتى، وأنهم ينفعون ويضرون، ويُدعون من دون الله.
- انتشار الفلسفات والإلحاد والجدل.
- هيمنة التصوف، والطرق الصوفية الضالة على العامة من الناس، ومن ثَمَّ انتشار المذاهب والآراء الباطنية.
- توغل الروافض في أمور المسلمين، ونشرهم للبدع والشركيَّات، وتثبيطهم للناس عن الجهاد، ومساعدتهم للتتار أعداء المسلمين.
- وأخيرًا نلاحظ تَقَوِّي أهل السنة والجماعة بالشيخ، وحفزه لعزائمهم، مما كان له الأثر الحميد على المسلمين إلى اليوم في التصدي للبدع والمنكرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم.
وقد وقف الشيخ (رحمه الله) في عصره إزاء هذه الانحرافات موقفًا مشهودًا، آمرًا وناهيًا، وناصحًا ومبيِّنًا، حتى أصلح الله على يديه الكثير من أوضاع المسلمين، ونصر به أهل السُّنَّة.

جهاد ابن تيمية ودفاعه عن الإسلام:

لابن تيمية مواقف مشهودة في مجالات أخرى عديدة ساهم فيها مساهمة قوية في نصرة الإسلام وعزة المسلمين؛ فمن ذلك: جهاده بالسيف وتحريضه المسلمين على القتال، بالقول والعمل، فقد كان يجول بسيفه في ساحات الوغى، مع أعظم الفرسان الشجعان، والذين شاهدوه في القتال أثناء فتح عكا، عجبوا من شجاعته وفتكه بالعدو. أما جهاده بالقلم واللسان فإنه (رحمه الله) وقف أمام أعداء الإسلام من أصحاب الملل والنحل والفرق والمذاهب الباطلة والبدع كالطَّود الشامخ، بالمناظرات حينًا، وبالردود أحيانًا حتى فنَّد شبهاتهم، وردَّ الكثير من كيدهم بحمد الله، فقد تصدى للفلاسفة، والباطنية من صوفية، وإسماعيلية، ونصيرية وسواهم، كما تصدى للروافض والملاحدة، وفنَّد شبهات أهل البدع التي تقام حول المشاهد والقبور ونحوه، كما تصدَّى للجهمية والمعتزلة والأشاعرة في مجال الأسماء والصفات.

خصال شيخ الإسلام ابن تيمية:

إضافةً إلى العلم والفقه في الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد وهبه الله خصالاً حميدة، اشتهر بها وشهد له بها الناس، فكان سخيًّا كريمًا، يؤثر المحتاجين على نفسه في الطعام واللباس وغيرهم، وكان كثير العبادة والذكر وقراءة القرآن، وكان ورعًا زاهدًا، لا يكاد يملك شيئًا من متاع الدنيا سوى الضروريات، وهذا مشهور عنه عند أهل زمانه حتى في عامة الناس، وكان متواضعًا في هيئته ولباسه ومعاملته مع الآخرين، فما كان يلبس الفاخر ولا الرديء من اللباس، ولا يتكلف لأحد يلقاه. واشتهر أيضًا بالمهابة والقوة في الحق، فكانت له هيبة عظيمة عند السلاطين والعلماء وعامة الناس، كما عُرف بالصبر، وقوة الاحتمال في سبيل الله، وكان ذا فراسة، وكان مستجاب الدعوة، وله كرامات مشهودة.

قالوا عن الإمام ابن تيمية:

ذكره الحافظ كمال الدين بن الزملكاني فقال: "الشيخ الإمام العالم العلامة الأوحد الحافظ المجتهد الزاهد العابد القدوة، إمام الأئمة، قدوة الأمة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، بركة الإسلام، حجة الأعلام، برهان المتكلمين، قامع المبتدعين، محيي السنة، ومن عظمت به لله علينا المنة، وقامت به على أعدائه الحجة،... انبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، ودقة حافظته، وسرعة إدراكه".
وقال عنه الإمام الذهبي في معجم شيوخه: "سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب، وخرج، ونظر في الرجال والطبقات، وحصَّل ما لم يحصله غيره، برع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيَّال،... وبرع في الحديث وحفظه، فقلَّ من يحفظ ما يحفظه من الحديث معزوًا إلى أصوله وصحابته،... وفاق الناس بمعرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل يقوم بما دليله عنده. وأتقن العربية أصولاً وفروعًا وتعليلاً واختلافًا، ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين، وردَّ عليهم، ونبَّه على خطئهم، وحذَّر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج، وأبهر براهين. وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السنة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته والدعاء له، وكبت أعداءه، وهدى به رجالاً من أهل الملل والنحل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا،... وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله من الأعلام".
وقال عنه جلال الدين السيوطي: "عُني بالحديث، خرَّج وانتقى، وبرع في الرجال وعلل الحديث وفقهه، وفي علوم الإسلام، وعلم الكلام، وغير ذلك، وكان بحرًا من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين، والزهاد الأفراد، ألَّف ألف وثلاثمائة مجلدة، وامتحن وأوذي مرارًا".

وفاة الإمام ابن تيمية:

تُوفِّي الشيخ (رحمه الله) وهو مسجون بسجن القلعة بدمشق ليلة الاثنين 20 من شهر ذي القعدة سنةَ 728هـ، فهبَّ كل أهل دمشق ومن حولها للصلاة عليه وتشييع جنازته. وقد أجمعت المصادر التي ذكرت وفاته أنه حضر جنازته جمهور كبير جدًّا يفوق الوصف. رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

بعض تلامذته:

شمس الدين ابن قيم الجوزية.
أبو عبد الله محمد الذهبي صاحب (ميزان الاعتدال).
إسماعيل بن عمر بن كثير.
محمد بن عبد الهادي المقدسي.
أبو العباس أحمد بن الحسن الفارسي المشهور بقاضي الجبل.
زين الدين عمر الشهير بابن الوردي
وغيرهم

mercredi 16 janvier 2013

كتاب البداية و النهاية قصة المسيح عليه السلام الجزء 4

 
[ ص: 465 ] ذكر منشأ عيسى ابن مريم ، عليهما السلام ، وبيان بدء الوحي إليه من الله تعالى

قد تقدم أنه ولد ببيت لحم ، قريبا من بيت المقدس ، وزعم وهب بن منبه أنه ولد بمصر ، وأن مريم سافرت هي ويوسف بن يعقوب النجار ، وهي راكبة على حمار . ليس بينهما وبين الإكاف شيء . وهذا لا يصح ، والحديث الذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت لحم ، كما ذكرنا ، ومهما عارضه فباطل .

وذكر وهب بن منبه ، أنه لما ولد خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض ومغاربها ، وأن الشياطين حارت في سبب ذلك ، حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى ، فوجدوه في حجر أمه ، والملائكة محدقة به ، وأنه ظهر نجم عظيم في السماء ، وأن ملك الفرس أشفق من ظهوره ، فسأل الكهنة عن [ ص: 466 ] ذلك فقالوا : هذا لمولد عظيم في الأرض . فبعث رسله ومعهم ذهب ومر ولبان ، هدية إلى عيسى ، فلما قدموا الشام سألهم ملكها عما أقدمهم ، فذكروا له ذلك ، فسأل عن ذلك الوقت ، فإذا قد ولد فيه عيسى ابن مريم ببيت المقدس ، واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد ، فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له ; ليتوصل إلى قتله إذا انصرفوا عنه ، فلما وصلوا إلى مريم بالهدايا ورجعوا ، قيل لها : إن رسل ملك الشام إنما جاءوا ليقتلوا ولدك . فاحتملته ، فذهبت به إلى مصر ، فأقامت بها حتى بلغ عمره ثنتي عشرة سنة ، وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره ، فذكر منها ، أن الدهقان الذي نزلوا عنده افتقد مالا من داره ، وكانت داره لا يسكنها إلا الفقراء والضعفاء والمحاويج ، فلم يدر من أخذه ، وعز ذلك على مريم ، عليها السلام ، وشق على الناس وعلى رب المنزل ، وأعياهم أمرها ، فلما رأى عيسى ، عليه السلام ، ذلك ، عمد إلى رجل أعمى ، وآخر مقعد من جملة من هو منقطع إليه ، فقال للأعمى : احمل هذا المقعد وانهض به . فقال : إني لا أستطيع ذلك . فقال : بلى ، كما فعلت أنت وهو حين أخذتما هذا المال من تلك الكوة من الدار . فلما قال ذلك صدقاه فيما قال ، وأتيا بالمال ، فعظم عيسى في أعين الناس وهو صغير جدا .

ومن ذلك ، أن ابن الدهقان عمل ضيافة للناس بسبب طهور أولاده ، فلما اجتمع الناس وأطعمهم ، ثم أراد أن يسقيهم شرابا ، يعني خمرا ، كما [ ص: 467 ] كانوا يصنعون في ذلك الزمان ، لم يجد في جراره شيئا ، فشق ذلك عليه ، فلما رأى عيسى ذلك منه قام فجعل يمر على تلك الجرار ويمر يده على أفواهها ، فلا يفعل بجرة منها ذلك إلا امتلأت شرابا من خيار الشراب ، فتعجب الناس من ذلك جدا ، وعظموه وعرضوا عليه وعلى أمه مالا جزيلا ، فلم يقبلاه وارتحلا قاصدين بيت المقدس . والله أعلم .

وقال إسحاق بن بشر : أنبأنا عثمان بن الساج وغيره ، عن موسى بن وردان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، وعن مكحول ، عن أبي هريرة قال : إن عيسى ابن مريم أول ما أطلق الله لسانه ، بعد الكلام الذي تكلم به وهو طفل ، فمجد الله تمجيدا لم تسمع الآذان بمثله ، لم يدع شمسا ولا قمرا ولا جبلا ولا نهرا ولا عينا إلا ذكره في تمجيده فقال : اللهم أنت القريب في علوك ، المتعالي في دنوك ، الرفيع على كل شيء من خلقك ، أنت الذي خلقت سبعا في الهواء بكلماتك ، مستويات طباقا ، أجبن وهن دخان من فرقك ، فأتين طائعات لأمرك ، فيهن ملائكتك يسبحون قدسك لتقديسك ، وجعلت فيهن نورا على سواد الظلام ، وضياء من ضوء الشمس بالنهار ، وجعلت فيهن الرعد المسبح بالحمد ، فبعزتك تجلو ضوء ظلمتك ، وجعلت فيهن مصابيح يهتدي بهن في الظلمات الحيران ، فتباركت اللهم في مفطور سماواتك ، وفيما دحوت من أرضك ، دحوتها على الماء ، فسمكتها [ ص: 468 ] على تيار الموج المتغامر ، فأذللتها إذلال الماء المتطاهر ، فذل لطاعتك صعبها ، واستحيى لأمرك أمرها ، وخضعت لعزتك أمواجها ، ففجرت فيها بعد البحور الأنهار ، ومن بعد الأنهار الجداول الصغار ، ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار ثم أخرجت منها الأنهار والأشجار والثمار ، ثم جعلت على ظهرها الجبال فوتدتها أوتادا على ظهر الماء ، فأطاعت أطوادها وجلمودها ، فتباركت اللهم ، فمن يبلغ بنعته نعتك ؟ أمن يبلغ بصفته صفتك ؟ تنشر السحاب ، وتفك الرقاب وتقضي الحق ، وأنت خير الفاصلين ، لا إله إلا أنت سبحانك ، أمرت أن نستغفرك من كل ذنب ، لا إله إلا أنت سبحانك ، سترت السماوات عن الناس ، لا إله إلا أنت سبحانك ، إنما يخشاك من عبادك الأكياس ، نشهد أنك لست بإله استحدثناك ، ولا رب يبيد ذكره ، ولا كان معك شركاء يقضون معك فندعوهم ونذرك ، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك ، نشهد أنك أحد صمد ، لم تلد ولم تولد ، ولم يكن لك كفوا أحد .

وقال إسحاق بن بشر ، عن جويبر ومقاتل عن الضحاك ، عن ابن عباس : إن عيسى ابن مريم أمسك عن الكلام بعد إذ كلمهم طفلا ، حتى بلغ [ ص: 469 ] ما يبلغ الغلمان ، ثم أنطقه الله بعد ذلك بالحكمة والبيان ، فأكثر اليهود فيه وفي أمه من القول ، كانوا يسمونه ابن البغية ، وذلك قوله تعالى : وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما [ النساء : 156 ] . قال : فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه في الكتاب ، فجعل لا يعلمه المعلم شيئا إلا بدره إليه ، فعلمه أبا جاد ، فقال عيسى : ما أبو جاد ؟ فقال المعلم : لا أدري . فقال عيسى : كيف تعلمني ما لا تدري ؟ فقال المعلم : إذا فعلمني . فقال له عيسى : فقم من مجلسك . فقام فجلس عيسى مجلسه فقال : سلني . فقال المعلم : فما أبو جاد ؟ فقال عيسى : الألف آلاء الله ، الباء بهاء الله ، الجيم بهجة الله وجماله . فعجب المعلم من ذلك ، فكان أول من فسر أبا جاد .

ثم ذكر أن عثمان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن ذلك ، فأجابه على كل كلمة كلمه ، بحديث طويل موضوع ، لا يشك فيه ولا يتمارى .

وهكذا روى ابن عدي من حديث إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن مليكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود ، وعن مسعر بن كدام ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، رفع الحديث في دخول عيسى إلى الكتاب وتعليمه المعلم معنى حروف أبي جاد ، وهو مطول لا يفرح به . ثم قال ابن عدي وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد ، لا يرويه غير إسماعيل .

وروى ابن لهيعة ، عن عبد الله بن هبيرة ، قال : كان عبد الله بن [ ص: 470 ] عمرو يقول : كان عيسى ابن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان ، فكان يقول لأحدهم : تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك ؟ فيقول : نعم . فيقول : خبأت لك كذا وكذا . فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها : أطعميني ما خبأت لي . فتقول : وأي شيء خبأت لك ؟ فيقول : كذا وكذا . فتقول له : من أخبرك ؟ فيقول : عيسى ابن مريم . فقالوا : والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسدنهم . فجمعوهم في بيت وأغلقوا عليهم ، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم ، فسمع ضوضاءهم في بيت ، فسأل عنهم ، فقالوا : إنما هؤلاء قردة وخنازير . فقال : اللهم كذلك . فكانوا كذلك . رواه ابن عساكر .

وقال إسحاق بن بشر ، عن جويبر ومقاتل ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاما من الله ، ففشا ذلك في اليهود ، وترعرع عيسى فهمت به بنو إسرائيل ، فخافت أمه عليه ، فأوحى الله إلى أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر ; فذلك قوله تعالى : وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين [ المؤمنون : 50 ] .

وقد اختلف السلف والمفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذكر الله من صفتها أنها ذات قرار ومعين ، وهذه صفة غريبة الشكل ; وهي أنها ربوة ، وهو المكان المرتفع من الأرض ، الذي أعلاه مستو يقر عليه ، فمع ارتفاعه ، متسع ، [ ص: 471 ] ومع علوه ، فيه عين من الماء معين ; وهو الجاري السارح على وجه الأرض ، فقيل : المراد المكان الذي ولدت فيه المسيح . وهو محلة بيت المقدس ولهذا فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهو النهر الصغير ، في قول جمهور السلف .

وعن ابن عباس بإسناد جيد ، أنها أنهار دمشق . فلعله أراد تشبيه ذلك المكان بأنهار دمشق . وقيل : ذلك بمصر . كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب ومن تلقاه عنهم . والله أعلم . وقيل : هي الرملة .

وقال إسحاق بن بشر : قال لنا إدريس ، عن جده وهب بن منبه ، قال : إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة ، أمره الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا . قال : فقدم عليه يوسف ابن خال أمه ، فحملهما على حمار ، حتى جاء بهما إلى إيليا وأقام بها حتى أحدث الله له الإنجيل ، وعلمه التوراة ، وأعطاه إحياء الموتى ، وإبراء الأسقام ، والعلم بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم ، وتحدث الناس بقدومه ، وفزعوا لما كان يأتي من العجائب ، فجعلوا يعجبون منه ، فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره .

كتاب البداية و النهاية قصة المسيح عليه السلام الجزء 3

 
[ ص: 454 ] باب بيان أن الله تعالى منزه عن الولد

قال تعالى في آخر هذه السورة : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا أي شيئا عظيما ، ومنكرا من القول وزورا . تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد ; لأنه خالق كل شيء ومالكه ، وكل شيء فقير إليه ، خاضع ذليل لديه ، وجميع سكان السماوات والأرض عبيده ، وهو ربهم لا إله إلا هو ، ولا رب سواه ، كما قال تعالى : وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير [ الأنعام : 100 - 103 ] . فبين أنه خالق كل [ ص: 455 ] شيء ، فكيف يكون له ولد ، والولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين! والله تعالى لا نظير له ، ولا شبيه له ، ولا عديل له ، ولا صاحبة له ، فلا يكون له ولد ، كما قال تعالى : قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد [ الإخلاص : 1 - 4 ] . فتقرر أنه " الأحد " الذي لا نظير له في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله الصمد وهو السيد الذي كمل في علمه وحكمته ورحمته ، وجميع صفاته . لم يلد أي : لم يوجد منه ولد . ولم يولد أي : ولم يتولد عن شيء قبله . ولم يكن له كفوا أحد أي : وليس له عدل ولا مكافئ ولا مساو ، فقطع النظير المداني والأعلى والمساوي ; فانتفى أن يكون له ولد ، إذ لا يكون الولد إلا متولدا بين شيئين متعادلين أو متقاربين ، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

وقال تبارك وتعالى وتقدس : يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا [ النساء : 171 - 173 ] . [ ص: 456 ] ينهى تعالى أهل الكتاب ومن شابههم ، عن الغلو والإطراء في الدين ، وهو مجاوزة الحد ; فالنصارى - لعنهم الله - غلوا وأطروا المسيح حتى جاوزوا الحد ، فكان الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبد الله ورسوله ، وابن أمته العذراء البتول ، التي أحصنت فرجها ، فبعث الله الملك جبريل إليها ، فنفخ فيها عن أمر الله نفخة حملت منها بولدها عيسى عليه السلام ، والذي اتصل بها من الملك هي الروح المضافة إلى الله إضافة تشريف وتكريم ، وهي مخلوقة من مخلوقات الله تعالى ، كما يقال : بيت الله ، وناقة الله ، وعبد الله ، وكذا : روح الله ، أضيفت إليه تشريفا لها وتكريما ، وسمي عيسى بها ; لأنه كان بها من غير أب ، وهي الكلمة أيضا التي عنها خلق ، وبسببها وجد ، كما قال تعالى : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [ آل عمران : 59 ] . وقال تعالى : وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون [ البقرة : 116 ، 117 ] . وقال تعالى : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون [ التوبة : 30 ] . فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى ، عليهم لعائن الله ، كل من [ ص: 457 ] الفريقين ادعوا على الله شططا ، وزعموا أن له ولدا ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، وأخبر أنهم ليس لهم مستند فيما زعموه ، ولا فيما ائتفكوه ، إلا مجرد القول ومشابهة من سبقهم إلى هذه المقالة الضالة ، تشابهت قلوبهم ، وذلك أن الفلاسفة - عليهم لعنة الله - زعموا أن العقل الأول صدر عن واجب الوجود ، الذي يعبرون عنه بعلة العلل ، والمبدأ الأول ، وأنه صدر عن العقل الأول عقل ثان ، ونفس وفلك ، ثم صدر عن الثاني كذلك ، حتى تناهت العقول إلى عشرة ، والنفوس إلى تسعة ، والأفلاك إلى تسعة ، باعتبارات فاسدة ذكروها ، واختيارات باردة أوردوها ، ولبسط الكلام معهم ، وبيان جهلهم وقلة عقلهم ، موضع آخر . وهكذا طوائف من مشركي العرب ; زعموا لجهلهم أن الملائكة بنات الله ، وأنه صاهر سروات الجن فتولد منهما الملائكة ، تعالى الله عما يقولون ، وتنزه عما يشركون كما قال تعالى : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون [ الزخرف : 19 ] . وقال تعالى : فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين [ الصافات : 149 - 160 ] .

[ ص: 458 ] وقال تعالى : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين [ الأنبياء : 26 - 29 ] . وقال تعالى في أول سورة " الكهف " ، وهي مكية : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا [ الكهف : 1 - 5 ] . وقال تعالى : قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون [ يونس : 68 - 70 ] . فهذه الآيات المكيات الكريمات تشمل الرد على سائر فرق الكفرة ; من الفلاسفة ومشركي العرب واليهود والنصارى ، الذين ادعوا وزعموا بلا علم ، أن لله ولدا ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون المعتدون علوا كبيرا .

ولما كانت النصارى ، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ، من أشهر [ ص: 459 ] من قال بهذه المقالة ، ذكروا في القرآن كثيرا ; للرد عليهم وبيان تناقضهم ، وقلة علمهم ، وكثرة جهلهم ، وقد تنوعت أقوالهم في كفرهم ; وذلك أن الباطل كثير التشعب والاختلاف والتناقض ، وأما الحق فلا يختلف ولا يضطرب ، قال الله تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [ النساء : 82 ] . فدل على أن الحق يتحد ويتفق ، والباطل يختلف ويضطرب . فطائفة من ضلالهم وجهالهم زعموا أن المسيح هو الله . تعالى الله ، وطائفة قالوا : هو ابن الله ، عز الله . وطائفة قالوا : هو ثالث ثلاثة . جل الله . قال الله تعالى في أول سورة " المائدة " : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير [ المائدة : 17 ] . فأخبر تعالى عن كفرهم وجهلهم ، وبين أنه الخالق القادر على كل شيء ، المتصرف في كل شيء وأنه رب كل شيء ومليكه وإلهه . وقال في أواخرها : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون [ المائدة : 72 - 75 ] . [ ص: 460 ] حكم تعالى بكفرهم شرعا وقدرا ، وأخبر أن هذا صدر منهم ، مع أن الرسول إليهم ، وهو عيسى ابن مريم ، قد بين لهم أنه عبد مربوب مخلوق ، مصور في الرحم ، داع إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وتوعدهم على خلاف ذلك بالنار ، وعدم الفوز بدار القرار ، والخزي في الدار الآخرة ، والهوان والعار ، ولهذا قال : إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ثم قال : لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد قال ابن جرير وغيره : المراد بذلك قولهم بالأقانيم الثلاثة : أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن ، على اختلافهم في ذلك ما بين الملكية واليعقوبية والنسطورية ، عليهم لعائن الله ، كما سنبين كيفية اختلافهم في ذلك ، ومجامعهم الثلاثة في زمن قسطنطين بن قسطس ، وذلك بعد المسيح بثلاثمائة سنة ، وقبل البعثة المحمدية بثلاثمائة سنة ، ولهذا قال تعالى : وما من إله إلا إله واحد أي : وما من إله إلا الله وحده لا شريك له ، ولا نظير له ، ولا كفء له ، ولا [ ص: 461 ] صاحبة له ولا ولد ، ثم توعدهم وتهددهم فقال : وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ثم دعاهم برحمته ولطفه إلى التوبة والاستغفار من هذه الأمور الكبار ، والعظائم التي توجب النار ، فقال : أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ثم بين حال المسيح وأمه ، وأنه عبد رسول ، وأمه صديقة ، أي ليست بفاجرة ، كما يقوله اليهود ، لعنهم الله . وفيه دليل على أنها ليست بنبية ، كما زعمه طائفة من علمائنا . وقوله : كانا يأكلان الطعام كناية عن خروجه منهما ، كما يخرج من غيرهما ، أي : ومن كان بهذه المثابة ، كيف يكون إلها ؟! تعالى الله عن قولهم وجهلهم علوا كبيرا . وقال السدي وغيره : المراد بقوله : لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة زعمهم في عيسى وأمه أنهما إلهان مع الله ; يعني كما بين تعالى كفرهم في ذلك بقوله في آخر هذه السورة الكريمة : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [ المائدة : 116 - 118 ] . [ ص: 462 ] يخبر تعالى أنه يسأل عيسى ابن مريم يوم القيامة ، على سبيل الإكرام له والتقريع والتوبيخ لعابديه ، ممن كذب عليه وافترى وزعم أنه ابن الله ، أو أنه الله ، أو أنه شريكه ، تعالى الله عما يقولون ، فيسأله وهو يعلم أنه لم يقع منه ما يسأله عنه ، ولكن لتوبيخ من كذب عليه ، فيقول له : ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك أي : تعاليت أن يكون معك شريك . ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أي : ليس هذا يستحقه أحد سواك . إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب وهذا تأدب عظيم في الخطاب والجواب . ما قلت لهم إلا ما أمرتني به حين أرسلتني إليهم ، وأنزلت علي الكتاب الذي كان يتلى عليهم ، ثم فسر ما قال لهم بقوله : أن اعبدوا الله ربي وربكم أي خالقي وخالقكم ، ورازقي ورازقكم . وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني أي : رفعتني إليك حين أرادوا قتلي وصلبي ، فرحمتني وخلصتني منهم ، وألقيت شبهي على أحدهم ، حتى انتقموا منه ، فلما كان ذلك . كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ثم قال على وجه التفويض إلى الرب ، عز وجل ، والتبري من أهل النصرانية : إن تعذبهم فإنهم عبادك أي : وهم يستحقون ذلك . وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ، وهذا التفويض والإسناد إلى المشيئة بالشرط ، لا يقتضي وقوع ذلك ، ولهذا قال : فإنك أنت العزيز الحكيم [ ص: 463 ] ولم يقل : الغفور الرحيم .

وقد ذكرنا في " التفسير " ما رواه الإمام أحمد ، عن أبي ذر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قام بهذه الآية الكريمة ليلة حتى أصبح : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم وقال : إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها ، وهي نائلة ، إن شاء الله ، لمن لا يشرك بالله شيئا وقال تعالى : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون [ الأنبياء : 16 - 20 ] . وقال تعالى : لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار [ الزمر : 4 ، 5 ] . وقال تعالى : قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون [ الزخرف : 81 ، 82 ] . وقال [ ص: 464 ] تعالى : وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا [ الإسراء : 111 ] . وقال تعالى : قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد . وثبت في " الصحيح " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يقول الله تعالى : شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك ; يزعم أن لي ولدا ، وأنا الأحد الصمد ، الذي لم ألد ولم أولد ، ولم يكن لي كفوا أحد وفي " الصحيح " أيضا ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ; إنهم يجعلون له ولدا ، وهو يرزقهم ويعافيهم ولكن ثبت في " الصحيح " أيضا ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : إن الله ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد [ هود : 102 ] . وهكذا قوله تعالى : وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير [ الحج : 48 ] . وقال تعالى : نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ [ لقمان : 24 ] . وقال تعالى : قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون [ يونس : 69 ، 70 ] . وقال تعالى : فمهل الكافرين أمهلهم رويدا [ الطارق : 17 ] .