jeudi 6 décembre 2012

روايات مرعبة: عفريت الصعيد

العفريت والأرض

جدي كان رجلا صعيديا طيبا ..
في احد ليالي الصقيع القارص جلست مع جدتي العجوز وهي ملتحفة بعباءتها الصوف نستمتع معا بشرب الشاي الساخن أمام الموقد، فقلت في خاطري سوف احصل الليلة على أمسية مذهلة واستدرج الجدة لسرد الحكايات عن العفاريت فهي بالفعل موسوعة قصص وحكايات.
أخذت رشفة شاي وقلت : لقد تأخر والدي في الحقل يا جدة وأنا أخاف عليه من العفاريت.
فضحكت الجدة وقالت : لا تخف فوالدك قلبه قوى لا يهاب من أي شيء .. طالع مثل جدك تمام .. ثم تنهدت الجدة وقالت وهي تستذكر إحدى حكاياتها القديمة والعجيبة : ذات يوم تعاهد جدك مع أخيه إبراهيم لري الأرض معا ..
ذهبا لسقي الأرض معا ..
صمتت الجدة ونظرت إلي قائلة : هل تدرى من سمع حديثهما ؟! فارتعبت لأني اعلم الإجابة لكن لساني عجز عن النطق فاسترسلت الجدة قائلة : وبعد منتصف الليل جاء إبراهيم ونادى على جدك ليذهبوا معا لري الأرض وحمل كل واحد منهم بدالته على كتفه - البدالة هي آلة بدائية لسحب المياه من الترع -  وكان إبراهيم صامت لا يتحدث طوال الطريق متقدما في خطاه وجدك يتبعه حتى وصلوا الأرض وبدءوا العمل في ريها وسقايتها ..  الغريب أن جدك كان يروي قيراط مقابل عشرات الأقرطة يرويها أخيه إبراهيم.
وحين انتهى إبراهيم من الري حمل بدالته على كتفه ثم قال لجدك : سوف اذهب الآن قبل حلول الفجر وأنت خلص وتعال على مهلك.
وعند عودة جدك في الصباح وجد أخيه إبراهيم في البيت متأسفا، لقد غلبه النوم ونسى عهده وموعده .. فضحك جدك وعلم إن الذي كان يساعد إبراهيم في ري الأرض لم يكن إلا عفريت.

عفريتة التنور

أجد الفرن ساخنا وبجانبه قليل من الخبز
أعطني يا ولدى كسرة بتاو - البتاو نوع من الخبز في صعيد مصر- .. قالت الجدة فأعطيتها كسرة البتاو وما أحلاه مع الشاي فأخذت الجدة قضمة وقالت : لم أذق في حياتي أشهى من بتاو العفريته .. فارتعشت أوصالي وقلت : وما قصة بتاو العفريته يا جدة ؟.
قالت الجدة : ذات يوم كنت اخبز الخبيز في الفرن بالطابق الأعلى وبعد الانتهاء تذكرت أني نسيت وعاء العجين ولم أقم بغسله فصعدت للأعلى لأحضره وإذا بي أجد واحدة ست جالسة تخبز أمام الفرن وأولادها يلعبون حواليها وعندما التقت أعيننا رأيت النار تتراقص في عينيها الحمرواتين .. فتشجعت وقلت لها لا تخافي استمري في الخبيز فانا انتهيت من الفرن ثم خرجت وتركتها لتنهي خبيزها.
وفى الصباح وجدت خبزا شهيا بجانب الفرن .. و أوقات كثيرة يا ولدى أجد الفرن ساخنا ويوجد بجانبه قليل من الخبز.

لا تنم أمام الباب!

أخيرا غلبني النعاس اللعين فاستأذنت جدتي ومددت جسدي الصغير أمام باب الغرفة وإذا بجدتي تناديني منزعجة : لا تنام أمام الباب حتى لا يحدث لك مثل ما حدث معي.
فارتعبت وطار النوم من عيني كالجبان وهرعت إلى حضن جدتي فلفت يديها العجوزتين حولي بدف وقالت : ذات يوم من أيام الصيف الحار عندما كنت في مثل سنك نمت أمام عتبة البيت على ضوء القمر كما كان أهل القرية يفعلون في ذالك الزمان وفى منتصف الليل استيقظت على صوت دوي أقدام لشخصين ضخام البنية متجهين رأسا إلى بيتنا فأغمضت عيني وادعيت النوم ولما اقتربوا منى أراد واحد منهم أن يعبر من فوقى فمنعه الآخر قائلا : إذا عبرنا من فوقها فسوف نؤذى الفتاة.
ثم انحنى وحملني ووضعني جانبا وعبروا إلى داخل البيت وتلاشوا كبخار يظهر قليلا ثم يضمحل.

العفريته التي أحبت جدي

العفريته الجميلة أحبت جدي وارادت أن تتزوجه
والآن حاول أن تنام لنذهب في الصباح معا لزيارة قبر جدك .. قالت الجدة وهي تربت بلطف على رأسي فأجبتها قائلا : حاضر يا جدة .. لكن هل كان جدي رجل طيب مثلك هكذا؟.
فنظرت إلي الجدة بحنو وقالت : كان رجلا طيبا للغاية و ذو هيبة تقع على كل من يراه حتى أن ملكة الجان أحبته و أرادت أن تأخذه مني.
ماذا ؟ .. ملكة الجان أحبته ؟ .. قلت أنا متعجبا.
فردت الجدة : ولماذا الاستغراب يا ولدى ؟ .. جدك كان له عادة أن يطلق البخور في أرجاء البيت لتكون رائحته طيبه .. وفي إحدى الليالي وبينما هو يبخر وإذا بطاقة تنفتح أمامه من العدم لتخرج منها فتاة جميلة وخلفها عبد اسود اللون.
الفتاة الجميلة قالت لجدك : أنا أحببتك وسوف تكون زوج لي.
فارتعب جدك من هول المنظر وتلعثم في الكلام قبل أن يرد قائلا : لكني متزوج .. فقالت الفتاة : أنا اعلم بأنك متزوج وسوف أقوم بزيارة زوجتك لآخذ الإذن منها ثم اختفت من أمام جدك الذي هرع إلي وقص علي كل ما حدث فقلت له باستنكار وأنا غير مصدقة : الم تجد من بين الرجال غيرك .. أهي عمياء حتى تعجب بك ؟.
فقال لي جدك : حسنا انتظري زيارتها حتى تتأكدي من صدق قولي وكلامي.
ثم تنهدت الجدة وقالت : وفي إحدى الليالي بينما كنت نائمة لوحدي في المنزل وإذا بفتاة بارعة الجمال تدخل إلى غرفتي وخلفها عبد اسود اللون غليظ الشفتين. الفتاة ألقت علي التحية وعندما رفعت ذراعي لأرد التحية لم استطع .. حتى لساني امسك عن الكلام.
الفتاة قالت : أنا اعلم انك امرأة طيبه ذات قلب ابيض وأنا أحببت زوجك وأريده لنفسي.
قالت الجدة : فأحنيت رأسي بالموافقة خوفا من أن تؤذيني وتلاشت من أمامي كالضباب الثقيل وتلاشى معها كل إرباك حدث لجسدي وآمنت بصدق الحكاية.
جدي خاف أن يأخذ الزلعة ..
ثم مرت الأيام والأسابيع وفى يوم ظهرت الفتاة لجدك لوحدها بدون العبد الأسود وكانت تحمل بين يديها زلعة من الفخار وقالت لجدك : خذ هذه الزلعة بسرعة قبل أن يأتي العبد من السودان .. إنها مليئة بالذهب.
فخاف جدك ورفض أن يأخذها وقال لها هذه الزلعة مليئة بالثعابين والعقارب أنتِ تريدين قتلى .. ابعدي عنى.
فاختفت الفتاة على الفور ولم تعد تظهر بعد ذالك اليوم.
وهنا سكتت الجدة ثم قالت لي بصوتها الدافئ الحنون : يكفى حكايات هذه الليلة ولتخلد للنوم .. ثم وضعتني في الفراش .. لكن هيهات .. فبعد هذه القصص المرعبة يأبى النوم أن يداعب أجفاني وأظل طوال الليل منكمشا أسفل غطائي، كانت هذه القصص تملئ أمسياتي رعبا وتكسو أحلامي بلونها الرمادي وصور العفاريت التي تترأى في مخيلتي .. انه الخوف الطفولي البريء .. كانت حكايات الجدة كافية لأن تقذف بي في لجة الهلع لأعيش القصة واقعا مرعبا .. فالخوف يظل أقوى شعور يربك الإنسان.
جدتي الحنون .. رحلت وبقت ذكراها عطرة ..
وذات يوما استيقظت على صراخ والدتي وبكاء أبي .. لقد رحلت جدتي الحنونة وأخذت معها روائح الماضي الجميل .. رحلت الجدة التي طالما تجمعنا من اجلها ... رقدت بسلام أخيرا.

صديقي عصام ركبه عفريت!

ومرت السنوات مسرعة وكبرت .. وفى احد الأيام كنت جالسا في غرفتي أداعب ذاكرتي وأدغدغ مشاعر الزمن العتيق وإذا بالهاتف يرن ...
- ألو نعم ..
- تعال بسرعة أنا أم عصام ..
- خير ماذا حدث ؟ ..
- عصام ركبوا العفريت (أي تلبسه أو مسه شيطان ) ..
فأغلقت السماعة وركضت سريعا إلى منزل صديقي عصام فهو لا يبعد كثيرا عن منزلي، فوجدت الباب مفتوح وأصوات النحيب تخرج منه فدخلت وتوجهت لغرفة النوم حيث مصدر الصوت فوجدت عصام ممدا على السرير يتكلم بكلمات مبهمة وحركات غير طبيعية ... نعم لقد ركبه عفريت.
طرقنا أبواب الطب الذي طالما لا يؤمن بهذه الأمور الخرافية وكان تشخيصه صدمه عصبيه .. وقطعنا شوطا في العلاج من دون جدوى حتى ألجئنا اليأس إلى طرق أبواب رجال الدين ... هنا آيات تتلا ....وهنا تسابيح وتراتيل ... حتى انعم الله عليه بالشفاء التام وتعافى تماما ..
مازالت محافظة على الرونق الفرعوني القديم ..
وفي ليلة جلست معه احتفالا بشفائه حتى خلى المكان من الأصدقاء فنظرت له وابتسم هو كأنه عرف ماذا أريد وقال : حاضر .. سوف اسرد عليك ما حدث .. ثم تنهد وأطرق متأملا إلى الأرض ليجمع شتات أحداث ذلك اليوم المشئوم قبل أن ينظر إلي قائلا : لقد تمت دعوتي لحضور عرس احد أصدقاء الدراسة وكان منزله في إحدى القرى المجاورة وبالفعل ذهبت إلى بلدته ولأني غريب سألت احد الأشخاص لكي يدلني على المنزل فقال لي اتبعني سوف أرشدك ومشينا معا ..
وفى الطريق اخذ هذا الرجل يتحدث في أمور كثيرة وكان ثرثارا للغاية فلم أعيره أي اهتمام ولم أبالي كثيرا بما يقول بل كنت مشغولا ومأخوذا بجمال تلك القرية العتيقة التي مازالت تحافظ على الرونق الفرعوني .. ثم انتبهت فجأة إلى صوت الرجل وهو يقول : صاروا الآن ثلاثة قتلى في شهر واحد.
فقلت : أي قتلى ؟!.
فرد الرجل باستغراب : يبدو انك لم تعيرني اهتمام عندما كنت أقص عليك حكاية القتلى الثلاثة الذين قتلوا في بلدنا .. أحدهم لقيناه مفصول الرأس .. والثاني مفقوء العينين .. والثالث مبقور البطن ..
ثم توقف الرجل عن الكلام أخيرا وأشار بيده إلى أحد المنازل قائلا : هذا هو المنزل الذي تريده .. فشكرته وتوجهت للمنزل حيث قوبلت بترحاب حار من الجميع واستمتعت بعرس صديقي حتى سرقني الوقت وخيم الليل على المكان ولم أجد سيارة للعودة لمنزلي.
لماذا لم تعر الرجل اهتماما ؟ ..
فاقترح احدهم أن أبيت عندهم وفى الصباح انطلق عائدا للبيت. وبالفعل دخلت إحدى غرف منزل صديقي لأقضي ليلتي فيه .. كانت غرفة واسعة للغاية سقفها عالي جدا وحوائطها قديمه ومزخرفة ببعض الرسومات وبها سرير قديم والى جواره كرسي من الخيزران فجلست على الكرسي وأشعلت سيجارة وما أن انتهيت منها حتى ارتميت على السرير وأغمضت عيني وغصت في النوم .... وفى منتصف الليل شعرت بهواء ساخن يضرب على وجهي ففتحت عيني لأجد شخص جالس على الكرسي بجواري وكان مبقور البطن واثنان واقفين خلفه واحد مفقوء العينين والآخر بدون رأس! ..
تكلم الشخص الذي كان جالسا بجواري قائلا بغضب وهو يحدق في وجهي : لماذا لم تعير الرجل اهتماما وهو يحدثك عنا؟.
فصرخت من الرعب وفقدت الوعي في الحال وفى الصباح أخذوني للمنزل وأنت تعرف باقي القصة.

لغز انتحار هتلر

لعقود طويلة ظل ملايين الطلاب الصغار حول العالم يتعلمون خلال حصة درس التاريخ بأن الزعيم النازي ‏أدولف هتلر مات منتحرا في نهاية الحرب العالمية الثانية بعد أن أصبح قاب قوسين أو أدنى من الوقوع أسيرا بيد ‏قوات الحلفاء , و قد تداول الجميع هذه الرواية و رددوها حتى أصبحت من المسلمات رغم عدم وجود أي شيء ‏يدعم صحتها سوى شهادة بعض الأشخاص المخلصين لهتلر الذين بقوا إلى جانبه حتى أخر لحظة , أما الأدلة ‏المادية فتمثلت في قطعة من جمجمة بشرية تبين بالفحص المختبري عام 2009 بأنها تعود لامرأة!!. يا ترى ما ‏هي حقيقة انتحار هتلر و هل قضى نحبه في دار المستشارية حقا أم انه استطاع الفرار و قضى ما تبقى من حياته ‏في مكان نائي و بعيد و هو يضحك ملئ شدقيه بسبب خدعته المحكمة التي استغفل بها العالم.‏

هل انتحر حقا ام خدع الجميع و فر الى مكان مجهول؟

هتلر و هو يودع الجنود الالمان المتوجهين الى جبهات القتال و في الاعلى صورة يزعم الروس انها لجثته بعد موته
بداية النهاية:
ربما لم يخطر على بال أدولف هتلر ( (Adolf Hitler (1) عندما انتقل للسكن في دار المستشارية مطلع عام 1945 بأنه سيحاصر داخل قبو المبنى الضخم الذي طالما كان منبرا لخطبه النارية التي ألهبت حماس الملايين من الألمان كما انه لم يتخيل بالطبع , حتى في أسوء كوابيسه , بأنه سيأتي يوم لن يتمكن فيه من التجول حتى في الشوارع القريبة المحيطة بالمبنى القابع وسط برلين , فبعد أن كان خياله الجامح قد صور له لسنوات طويلة بأن فيالقه العسكرية ستحمله إلى ابعد نقاط الأرض ها هو اليوم محاصر من كل جهة وسط ركام العاصمة التي أراد لها أن تكون سيدة العالم المطلقة , لقد بدا واضحا بأن نهاية النازية و سقوط برلين ما هي إلا مسألة وقت و إن إمبراطورية الرايخ الثالث الخالدة التي زعم هتلر بأنها ستدوم لألف عام بدئت تنهار بسرعة قياسية تحت وقع الضربات القوية للحلفاء الذين أخذت جيوشهم تزحف بسرعة من الغرب و الشرق لتطبق كفكي كماشة على العاصمة المنكوبة , لقد أصبح الانتصار محسوما للحلفاء و اخذوا يخططون لمرحلة ما بعد الحرب و كيفية تقاسم الكعكة الألمانية. و يبدو ان هتلر أدرك في النهاية حتمية الهزيمة لكنه كان لازال يأمل بحدوث معجزة ما تقلب موازين القوى و تجعل الفيالق السوفيتية بقيادة جوكوف تنتحر عند بوابات برلين!(2) و كان لايزال يعطي أوامره إلى قادة جيشه لتحريك القوات من دون أن يدرك بأن معظم هذه الجيوش التي كان يحركها على الورق لم يعد لأغلبها وجود على ارض الواقع إذ إن معظمها أفنيت عن بكرة أبيها أو فر جنودها باتجاه الغرب خوفا من أن يقعوا أسرى بيد القوات الروسية الزاحفة من جهة الشرق.
بعد ان فشلت خططه في صد الجيوش السوفيتية خارج برلين عقد هتلر في 22 نيسان / ابريل اجتماعا عسكريا مع هيئة أركان حربه استمر لمدة ثلاث ساعات و قد ظهر خلالها في حالة مريعة من الغضب و اليأس و القنوط و اقر صراحة خلال الاجتماع باحتمال أن تخسر ألمانيا الحرب لكنه رفض بشكل قاطع أي شكل من إشكال الاستسلام و اعتبر الإقدام على التفاوض مع العدو بمثابة الخيانة عظمى كما رفض بشدة نصيحة بعض الضباط بترك دار المستشارية و الفرار إلى منطقة جبال الألب في بافاريا لإدارة القتال و المقاومة من هناك , لقد بدا هتلر مصمما على البقاء في برلين من اجل القتال حتى النهاية كما انه عبر بجلاء عن رغبته في الانتحار و وضع حد لحياته و استشار لاحقا طبيبه فارنر هاسه حول أفضل الطرق لتنفيذ ذلك فأقترح عليه تناول سم السيانيد ثم إطلاق رصاصة على الرأس.
الرواية الرسمية للأيام الاخيرة في حياة هتلر
مبنى دار المستشارية قبل ان يهدمه الروس و في القبو تحته امضى هتلر اخر ايام حياته
في اليوم التالي أعطى هتلر الأذن لجميع الموجودين في دار المستشارية بالمغادرة إذا رغبوا في ذلك و قد غادر معظمهم بالفعل و لم يبق مع هتلر سوى مجموعة من الأشخاص المقربين مثل عشيقته ايفا براون (Eva Braun ) (3) و وزير إعلامه جوزيف غوبلز مع زوجته و أطفاله الستة و من العسكريين بقي عدد من كبار الضباط مثل مارتن بورمن و كذلك عدد من أفراد حماية هتلر و مرافقيه الشخصيين و بعض ضباط و جنود وحدات النخبة النازية (SS ) إضافة إلى بعض الموظفين المدنيين مثل السكرتيرات و الطباخ.
في يوم 26 نيسان / ابريل وصل مدى نيران المدفعية الروسية إلى قلب برلين و تعرض مبنى دار المستشارية للقصف للمرة الأولى.
في يوم 28 نيسان / ابريل جن جنون هتلر عندما علم عن طرق غوبلز بأن هاينريش هيملر يفاوض الانكليز سرا من اجل الاستسلام , لقد كان هيملر رفيق نضال هتلر منذ السنوات الأولى لتأسيس الحزب النازي و كان لسنوات طويلة ذراع هتلر الضارب الذي طالما استعمله لقمع أعدائه و خصومه بدون رحمة فهو رئيس وحدات النخبة و تخضع لسلطته جميع المؤسسات الأمنية النازية. لقد اتفق جميع المتواجدين في قبو دار المستشارية على ان هتلر أصيب بحالة من الغضب لم يسبق لهم أن شاهدوا لها مثيلا عليه في السابق إذ اخذ يصرخ بصورة هستيرية مطالبا بإنزال اشد العقاب بهيملر ,  و كنوع من الانتقام الارتجالي أمر حرسه الشخصي بأن يقبضوا على احد الضباط الذي كان ممثلا لهيملر في المبنى و أمر بأن يعدم فورا فأخذوه إلى الأعلى و أعدموه رميا بالرصاص في الحديقة الخلفية لدار المستشارية.
بعد خيانة هيملر بدء هتلر يصاب بحالة من جنون الارتياب , كما انه بدء يفكر جديا في الانتحار لكي لا يلاقي نفس مصير حليفه بينتو موسوليني في ايطاليا حيث اعدم و تم التمثيل بجثته التي سحلت و علقت رأسا على عقب في إحدى ساحات ميلانو. كان لدى هتلر عدة كبسولات من سم السيانيد (3) القاتل التي حصل عليها عن طريق بعض ضباط وحدات النخبة النازية و لكن لأن أفراد هذه الوحدات كانوا تحت إمرة هيملر فقد بدء الشك يخامر هتلر في أن تكون الكبسولات التي بحوزته مزيفة لذلك أمر بتجربتها على كلبته المدللة بلوندي و قد ماتت الكلبة المسكينة في الحال ما أن تم وضع إحدى الكبسولات في فمها.
صور عشيقة هتلر و زوجته في اخر يوم من حياته ايفا بروان

عند منتصف ليلة 28 نيسان / ابريل 1945 تزوج هتلر من عشيقته ايفا براون في قبو دار المستشارية , كانت ايفا ترتدي ثوبا من الحرير الأسود أما هتلر فقد كان مرتديا بدلته العسكرية , و قد قام احد الضباط بإتمام مراسم الزواج المدني حيث سأل العروسين إذا كان كلاهما من العرق الآري النقي و لا يحملان أي عيوب وراثية! و عندما ردا بالإيجاب أعلنهما زوجا و زوجة أما شهود الزواج فقد كانا كل من غوبلز و بورمن , و يقال أن ايفا أخبرت الحضور تلك الليلة بأنها حامل بطفل هتلر إلا أنه لا يوجد أي دليل يدعم صحة ذلك الادعاء , و بعد حفلة صغيرة و مختصرة شاركت فيها الحلقة المقربة من هتلر توجه الجميع إلى غرفة الجلوس و تناولوا إفطارا مختصرا مع الشمبانيا و بعدها غادر هتلر مع سكرتيرته ترادول يونغه إلى مكتبه ليملي عليها وصيته الأخيرة التي تضمنت قسمين أحداهما وصية شخصية ابتدئها بمدح إخلاص ايفا براون , رغم انه لم يذكرها بالاسم , و قال إن زواجهما كان ليتم منذ مدة طويلة لولا انه حرم نفسه من جميع المتع الشخصية و ضحى بها من اجل خدمة الشعب الألماني كما ذكر أنهما قررا الانتحار و أوصى بتسليم لوحاته الفنية إلى مدينة  لينتز التي قضى ردحا من حياته فيها كما أوصى بأي شيء ذي قيمة يملكه بأن يوزع بين أقاربه و سكرتيرته و جعل مارتن نورمن مسئولا على تنفيذ وصيته , أما الوصية السياسية فقام فيها بطرد كل من هيرمان غورنغ و هاينريش هيملر من الحزب و عين كابينة جديدة للحكومة كما تضمنت الوصية نفس مبادئه و شعاراته التي رددها طوال السنوات السابقة و تنصل فيها من المسؤولية عن نشوب الحرب و هاجم اليهود مجددا و اعتبرهم السبب في كل مصائب العالم. وبعد أن وقع الوصية و شهد عليها كل من غوبلز و مارتن و فون بيلوف توجه هتلر إلى غرفة نومه مع ايفا , و يبدو إن الليلة الأخيرة في حياة الفوهرر لم تكن مريحة إذ انه لم يستطع النوم حتى الصباح.
في ساعة متأخرة من صباح اليوم التالي اجتمع هتلر مع هيلموت فيدلنغ قائد عمليات الدفاع عن مدينة برلين و الذي اخبره بأن قوات الجيش الأحمر السوفيتية لا تبعد سوى مسافة 500 متر عن دار المستشارية و أن المدينة ستسقط على الأرجح قبل حلول الظلام ثم طلب منه الإذن بوقف القتال و على عكس من المرة السابقة التي رد بها هتلر على طلب مماثل لفيدلنغ بعصبية و خشونة فأنه هذه المرة اكتفى بالصمت ثم أنهى الاجتماع , و يبدو إن هتلر كان عازما على الانتحار قبل حلول مساء ذلك اليوم لذلك أرسل عند الساعة الواحدة أوامره لفيدلنغ يأذن له بموجبها بوقف القتال في تلك الليلة , ثم تناول وجبة الغداء عند الواحدة ظهرا مع سكرتيراته و الطباخ و كان الطعام يتكون من القليل من المعكرونة مع الصلصة , و بعد أن انهوا تناول طعامهم قام كل من هتلر و ايفا بتوديع العسكريين و الموظفين الموجودين في قبو دار المستشارية ثم انسحبوا إلى مكتب هتلر الخاص و أغلقوا الباب دونهم و كان ذلك عند الساعة الثانية و النصف ظهرا.
عند الساعة الثالثة و النصف من يوم 30 نيسان / ابريل سمع بعض الموجودين في قبو دار المستشارية صوت إطلاق نار قادم من داخل مكتب هتلر , مع إن اوتو غانيش معاون هتلر الشخصي الواقف عند باب المكتب لم يسمع شيئا؟!! , و بعد أن انتظروا لعدة دقائق قام كل من مارتن بورمن و رئيس التشريفات هاينز لينغه بفتح باب المكتب الصغير و على الفور شما رائحة تشبه رائحة اللوز المحروق تعبق هواء الغرفة و هي رائحة غاز السيانيد. ثم دخل اوتو غانيش إلى الغرفة و شاهد جثة هتلر مستلقية على أريكة صغيرة و هي منحنية إلى الأمام و الدم يتدفق منها بغزارة و عند أقدام هتلر كان يقبع مسدسه الشخصي ملقيا على الأرض ,  و رغم ان جميع المتواجدين في غرفة هتلر آنذاك اتفقوا على انه مات منتحرا إلا ان أقوالهم تناقضت حول الطريقة التي انتحر بها , البعض قال بأنه قضم كبسولة السيانيد ثم وضع المسدس في فمه و أطلق النار إلى الأعلى مما أدى إلى تطاير جزء من مقدمة جمجمته , فيما قال آخرون بأنه أطلق النار على جبهته بعد أن ابتلع السيانيد و أن الطلقة اخترقت عنقه. وإلى اليسار من جثة هتلر على نفس الأريكة استلقت جثة ايفا بروان لكن جسمها كان منحنيا بعيدا عن هتلر و لم يكن هناك أي اثر لجروح أو دماء على جثتها و بدا جليا بأنها انتحرت بواسطة قضم كبسولة السيانيد فقط , و المفارقة أنها انتحرت بعد اقل من أربعين ساعة على زواجها و كانت في سن الثالثة و الثلاثين عندما فارقت الحياة اما هتلر فكان عمره عند موته 56 عاما و عشرة أيام.
كان هتلر كان قد اوصى بحرق جثته لكي لا يمثل بها إذا وقعت بيد الروس و أوكل هذه المهمة إلى معاونه الشخصي اوتو غانيش الذي قام بمساعدة هاينز لينغه و ارتر اكسمن  بلف الجثة بسجادة رمادية اللون ثم حملوهما إلى الأعلى عبر ممر الطوارئ إلى الحديقة الخلفية الصغيرة لدار المستشارية و قاموا بوضعها داخل إحدى الحفر التي سببتها قذيفة سوفيتية ثم عادوا و جلبوا جثة ايفا و ممدوها إلى جانب جثة هتلر و قاموا بسكب حوالي مئة لتر من الغازولين على الجثتين ثم أضرموا النار فيهما و وقفوا لبرهة لمشاهدة المنظر بعد  ان رفعوا أيديهم لإلقاء التحية الأخيرة على الفوهرر , و قد شهد عملية الحرق كل من غوبلز و بورمن و غانيش و لينغه إضافة إلى ضابطين و بعض الحرس , و سرعان ما عاد الجميع الى داخل المبنى بسبب شدة القصف الروسي لكن حارس بوابة الممر المؤدي الى الحديقة قال فيما بعد انه استمر بمراقبة الجثث و هي تحترق حتى تفحمت تماما و إن القذائف الروسية أنجزت بقية المهمة إذ مزقت بقايا الجثث و بعثرتها بحيث لم يبق لها أي اثر.
بعد انتحار هتلر و حرق جثته بدء جميع من في دار المستشارية بالتسلل من المبنى من اجل الفرار من قبضة الروس باستثناء غوبلز الذي انتحر مع زوجته و أطفاله في اليوم التالي لانتحار هتلر , و في 2 أيار / مايو , أي بعد يومين على انتحار هتلر , دخلت وحدة خاصة من استخبارات الجيش الروسي إلى دار المستشارية كانت مهمتها الرئيسية هي معرفة مصير هتلر فرغم أن السوفيت كانوا يعلمون بأنه انتحر لكن ستالين في موسكو كان يريد دليلا حيا يثبت إن عدوه اللدود قد أصبح حقا في عداد الموتى. في البدء عثر أفراد الوحدة السوفيتية على جثث أطفال غوبلز الستة الذين قتلتهم أمهم عن طريق حقنتهم بالسيانيد ثم عثروا على جثتي غوبلز و زوجته ماغدا محروقتين جزئيا في حديقة مبنى المستشارية. و في نفس اليوم شاهد احد الجنود الروس عن طريق الصدفة بقايا سجادة محروقة في إحدى الحفر التي خلفتها القذائف المنهمرة على الحديقة الخلفية لدار المستشارية و تحت السجادة عثر الروس على بقايا جثة هتلر و ايفا براون إضافة إلى رفات محروقة لجثتي كلبيهما و زعم الروس بأنهم استطاعوا التعرف عن جثة هتلر عن طريق عظام فكيه و أسنانه التي أكد أطباء أسنان هتلر بأنها تعود له.
صورة تزعم المخابرات الروسية انها لجثة هتلر بعد ان انتحر
قام السوفيت بنقل جثة هتلر بسرية تامة من اجل فحصها و تشريحها ثم رفعوا تقريرا مفصلا لستالين يؤكد ان الجثة المكتشفة في الحديقة الخلفية لدار المستشارية تعود لهتلر , و خلال تنقل الوحدات السوفيتية داخل الأرض الألمانية قاموا بدفن و نبش جثث هتلر و ايفا عدة مرات ثم أخيرا استقر بها المطاف في قبر مجهول بالقرب من احد المقرات الأمنية السوفيتية في ألمانيا الشرقية السابقة ,  لكن في عام 1970 كان على السوفيت تسليم المبنى للسلطات الألمانية بموجب اتفاقية ثنائية و قد خشي المسئولين السوفيت من ان يتم العثور على بقايا جثة هتلر فتتحول الى رمز و مزار للنازيين الجدد و القوميين الألمان , لذلك قامت وحدة خاصة من المخابرات السوفيتية (KGB ) بنبش قبر هتلر و إخراج ما تبقى من رفاته ثم احرقوها و نثروا رمادها بواسطة المروحية فوق جبال الألب الألمانية , و يبدو ان السوفيت استثنوا من الحرق قطعة صغيرة من جمجمة هتلر فيها ثقب يعتقد انه ناتج عن الرصاصة التي انتحر بها و كذلك احتفظوا بجزء صغير من طقم الأسنان الكاذبة في فكه إضافة إلى الأريكة التي يعتقد أن هتلر انتحر و هو جالس عليها و كانت آثار الدم لازالت تغطيها.
اين اللغز في كل هذا؟
رغم كل ما ذكرناه أعلاه لكن في الحقيقة لا احد يعلم ماذا جرى بالضبط داخل قبو دار المستشارية خلال الأيام و الساعات الأخيرة التي سبقت انتحار هتلر و حرق جثته , فكل المعلومات حول تلك الأحداث جاءت عن طريق الأشخاص المقربين من هتلر الذين رافقوه حتى أخر لحظة و استطاعوا النجاة من الموت خلال معركة برلين , كما أن لا احد سوى الله وحده يعلم ماذا جرى داخل الغرفة التي انتحر فيها هتلر مع ايفا , هل كانت الجثة المكتشفة داخل الغرفة تعود لهتلر حقا ؟ لا تنس عزيزي القارئ ان هتلر و ايفا قبعا لوحدهما داخل الغرفة لقرابة الساعة قبل أن يدخل غانيش و يشاهد جثثهم و لا احد يعلم بالضبط ماذا فعلا خلال تلك الساعة الأخيرة. غانيش و لينغه و اكسمن قالوا ان الجثة التي كانت في الغرفة كانت تعود لهتلر لكن يجب ان لا ننسى ان هؤلاء الأشخاص كانوا من اقرب المقربين للفوهرر و أكثرهم إخلاصا و لا يوجد ما يمنع أن يكونوا قد كذبوا بهذا الشأن أو أن يكونوا جزءا من مؤامرة دبرت بعناية عن طريق قتل شخص شبيه بهتلر فمخابرات الحلفاء كانت على علم تام بأن هتلر كان يملك ستة أشباه , ثم تم إيهام الجميع بأن الجثة تعود لهتلر خاصة و ان وجهها كان مشوها جزئيا و مغطى بالدم , و مما يدعم هذا الرأي هو التناقض الواضح في أقوال هؤلاء الأشخاص فبعضهم سمع صوت الرصاصة التي انتحر بها هتلر فيما لم يسمع الآخرون ذلك و بعضهم قال أن هتلر أطلق النار داخل فمه في حين قال الآخرون انه أطلق النار على جبهته و بعضهم قال ان هتلر و ايفا كانا جالسين على أريكة واحدة فيما قال البعض الأخر إن هتلر كان يجلس على كرسي منفصل. أما الأكثر طرافة فهو زعمهم بأن هتلر و ايفا انتحرا عن طريق قضم كبسولات السيانيد أولا ثم قام هتلر بإطلاق النار على رأسه! و هذا الأمر مستحيل فتأثير سم السيانيد فوري و عند تناوله أو استنشاقه سرعان ما يدخل الإنسان في غيبوبة قد تؤدي إلى الموت خلال لحظات و من المحال أن يستطيع شخص تناول سم السيانيد من أن يرفع مسدسا إلى رأسه و يطلق النار على نفسه!.
أما بالنسبة لحرق الجثة فقد قال الحرس في الحديقة بأنهم شاهدوا جثة هتلر وهي تحترق لكن هل كانت جثة هتلر هي التي تحترق أم جثة شخص أخر ؟ لا ننسى أنها كانت ملفوفة جزئيا ببساط. أما بالنسبة إلى جثة ايفا فإذا صدقنا بأنه ليس هناك خدعة و إن الشهود كانوا صادقين في روايتهم حول انتحار هتلر و ايفا فما الذي يمنع من أن يكون هتلر قد أوهم ايفا بأنه تناول كبسولة السم مما دفعها إلى أن تحذوا حذوه ثم قام هو و أعوانه بتدبير مسرحية محكمة انطلت على الجميع , بل ان هناك من يذهب ابعد من ذلك و يزعم ان جثث هتلر و ايفا التي أخرجت من الغرفة كانت مجرد دمى مصنوعة بدقة في حين ان هتلر و ايفا الحقيقيين فرا خلسة من المبنى بطريقة أو بأخرى , لا تنس عزيزي القارئ أن الألمان كانوا امة متطورة بل إنهم سبقوا الكثير من أمم العالم آنذاك في مجال العلم و التكنولوجيا و إن معظم الاكتشافات العظيمة التي حققتها الدول الكبرى بعد الحرب كانت بمساعدة العلماء الألمان الذين تم أسرهم و نقلوا سرا إلى مختبرات سرية أمريكية و سوفيتية للاستفادة من خبراتهم (ساهموا في اختراع و تطوير القنابل الذكية , القنبلة النووية , الطائرة النفاثة , علم الوراثة .. الخ).
ثم نأتي إلى مزاعم السوفيت , ففي بداية سقوط برلين زعموا بأن هتلر حي و أنهم القوا القبض عليه ثم بعد ذلك عادوا و قالوا انه هارب و أخيرا زعموا أنهم وجدوا جثته في حديقة دار المستشارية و قصة العثور على الجثة هي نكتة بحد ذاتها إذ إن وحدة الاستخبارات السوفيتية العتيدة المكلفة بمعرفة مصير هتلر لم تستطع العثور على جثته رغم أنها فتشت دار المستشارية شبرا شبرا و لكن احد الجنود السوفيت شاهد عن طريق الصدفة بقايا سجادة محروقة في احد الحفر لذلك احضر معولا و بدء بالحفر طمعا في العثور على كنز!! و لكنه بدل أن يعثر على الذهب عثر على بقايا كلب محروق ثم حفر أكثر و عثر على جثة كلب أخر! و يبدو أن الجندي المعتوه لم يكتف بالعثور على كلبين محروقين فاستمر بالحفر ليعثر أخيرا على جثث هتلر و ايفا و استطاع التعرف عليها رغم أن حراس هتلر قالوا ان جثته قد تحولت بعد حرقها إلى قطعة فحم و إن القذائف الروسية المنهمرة على مبنى دار المستشارية بعثرتها و مزقتها كل ممزق حتى لم يبقى لها اثر ,  فكيف تمكن إذن الجندي السوفيتي العبقري من التعرف إلى الجثة ؟ و لماذا هذه الجثة المزعومة لم تصور باستثناء صورة واحدة يتيمة هي بحد ذاتها فضيحة و دليل على كذب الروس (انظر الصورة أعلاه عزيزي القارئ) , فبعد خمسين سنة على موته المزعوم خرج علينا الروس بصورة وحيدة ملتقطة ضمن فيلم قصير و قد اجمع كل من رآها بأنها لا تعود لهتلر و أنها على الأرجح تعود لشبيهه أو أنها مفبركة , ثم على افتراض إن الصورة حقيقية و ليست من اختراعات المخابرات السوفيتية فمن التقط هذه الصورة ؟ إذ إن جميع من كانوا في قبو دار المستشارية لم يذكروا شيئا عن التقاط صورة لهتلر بعد انتحاره فهل كان ملتقط الصورة هو جندي روسي و متى التقطها ؟ هل لبس طاقية الإخفاء و تسلل إلى الغرفة التي انتحر بها هتلر و التقط الصورة بدون أن يراه احد من حرس هتلر أم انه التقط الصورة بعد إحراق الجثث و تفحمها؟!! ثم لماذا لم يحتفظ السوفيت بأي شيء من جثة هتلر؟ فكل أدلتهم على موته تنحصر بقطعة من أسنانه الكاذبة و قطعة أخرى من جمجمته و قد أصبح هذان الدليلان اللذان كشف عنهما الروس بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 الإثبات الوحيد على موت هتلر. لكن في عام 2009 جاءت المفاجأة الكبرى و الضربة القاصمة التي هدمت أكاذيب السوفيت من الأساس , فبعد اخذ و رد طويل حصل بعض الباحثين الأمريكان على موافقة السلطات الروسية في الحصول على عينة صغيرة من قطعة الجمجمة المزعومة لهتلر و بعد إجراء الفحوص الدقيقة و اختبار الحمض النووي بأحدث التقنيات الموجودة في العالم تبين ان قطعة الجمجمة التي شكلت لعقود الدليل الرئيسي على موت هتلر هي في الحقيقة تعود إلى جمجمة أنثى يتراوح عمرها بين 20 – 40 عام !!. أنها فضيحة تاريخية بكل المقاييس و المعايير فهي تعيدنا إلى نقطة الصفر و إلى السؤال الذي طرحه ستالين على ضباطه قبل سبعين عاما : هل حقا انتحر هتلر؟ فعلى الرغم من ان الاطباء الروس قدموا له تقريرا مفصلا آنذاك حول تشريح جثة هتلر المزعومة إلا ان الرجل لم يقتنع أبدا بأن الجثة حقيقية , و قد يقول البعض ان قطعة الجمجمة ربما تعود لأيفا براون التي كان عمرها عندما انتحرت 33 عاما و لكن جميع الأشخاص الذين تواجدوا داخل دار المستشارية أثناء انتحار هتلر لم يذكروا ان ايفا كانت مصابة بطلق ناري في رأسها لا عندما عثر على جثتها داخل مكتب هتلر و لا عندما أحرقت هذه الجثة في حديقة دار المستشارية.
قد لا يكون مصير هتلر مهما اليوم فهو الآن ميت بكل الأحوال لأنه لو كان حيا فعمره الآن يتجاوز المائة و العشرون عاما , لكن المفارقة انه نجا من المحاكمة على جرائمه و لم يستطع أي شخص إذلاله و القبض عليه إذ في جميع الأحوال , سواء كان انتحر أو تمكن من الفرار , فهو لم يحاكم و لا وقف وجها لوجه أمام ضحاياه و لا وصلت أيدي أعداءه إليه , بل إن جل ما استطاع الحلفاء فعله هو تلفيق مجموعة كبيرة من الأكاذيب أما الحقيقة الواضحة كالشمس في رابعة النهار فهي ان أحدا لا يعلم على وجه الدقة ماذا حدث لهتلر , ربما يكون انتحر حقا لكن كل المزاعم حول العثور على جثته هي محض كذب , و هناك من يزعم انه فر إلى أمريكا الجنوبية و عاش سعيدا لما تبقى من عمره بل إن هناك العديد من الأشخاص خلال العقود المنصرمة ممن ادعوا أنهم شاهدوا هتلر في أماكن مختلفة من العالم و هذا موضوع آخر قد يطول الخوض فيه.
صورة تتحدث عن تنكر هتلر و انه لم ينتحر في مبنى دار المستشارية
الخلاصة عزيزي القارئ هي ان هناك الكثير من الأشخاص حول العالم يعتقدون إن هتلر كان شخصا مجنونا حملته الفرص و الصدف و ظروف ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى إلى أن يتسلق سلم السلطة لاعبا على أوتار القومية الألمانية و على الجرح النازف الذي خلفته معاهدة فرساي في كرامة الوجدان الألماني , لكن الحق يقال , و بغض النظر عن كون الرجل معتوها أو مجنونا , فأنه دوخ العالم في حياته و في مماته.
الهوامش :
1- هذه المقالة تتناول الأيام و اللحظات الأخيرة في حياة هتلر أما حياته الكاملة فأعتقد أن أحداثها تحتاج إلى مجلدات لتغطية تفاصيلها لما كان لها من اثر كبير في تاريخ العالم الحديث فيكفي أن نعرف إن الحرب العالمية الثانية خلفت 70 مليون قتيل لنعلم حجم هذا التأثير. لكن بالنسبة لمن لا يعلمون شيئا عن هتلر فباختصار هو أدولف ألويس هتلر ولد في النمسا عام 1889 و كان أبوه موظفا في الجمارك النمساوية أما أمه فهي كلارا هتلر , و هناك لغط كبير حول نسب والد هتلر فقد سجل في الكنيسة التي تم تعميده فيها على انه طفل غير شرعي و ذلك قبل خمسة أعوام من زواج أمه (جدة هتلر) و هي مزارعة بسيطة اسمها ماريا شكلجروبر من جوهان هيدلر (هتلر) , و هناك عدة أشخاص مرشحين كأجداد لهتلر من ضمنهم احد اليهود الأغنياء الذين عملت جدة هتلر كخادمة في بيته لفترة من الزمن (مصيبة لو كان جد هتلر الحقيقي هو يهودي!) و لغز أصل هتلر و من هو جده الحقيقي هو موضوع طويل قد يحتاج إلى مقالة بحد ذاته لكن أنصار هتلر و مريديه يقولون بأن جوهان هو جده الحقيقي و أن اللغط حول نسبه مفتعل من قبل أعداءه , و في النهاية قد لا يعلم سوى الله من هو الرجل الذي أودع نطفته الحقيرة في رحم جدة هتلر .. تلك النطفة التي حصدت ملايين الأرواح!. كانت طفولة هتلر تعيسة فوالده كان قاسيا و غالبا ما كان يضربه مع أمه , و لهتلر شقيقة واحدة اسمها باولا و لديه أخ و أخت غير شقيقين هم أطفال والده من زواجه الأول , مات والده مبكرا فسافر إلى فيينا لاحتراف الرسم و عاش ردحا من حياته كرسام "فاشل" ثم خدم كجندي في الجيش الألماني أثناء الحرب العالمية الأولى جرح خلالها و حصل على وسام الشجاعة مرتين و خلال هذه الفترة تبلورت لديه ألأفكار القومية فانضم بعد الحرب الى حزب العمال الاشتراكي الوطني الألماني (اختصارا الحزب النازي) و كانت هذه هي الخطوة الأولى التي أدخلته إلى عالم السياسة ثم حملته الظروف و الصدف ليصبح الرجل الأول في ألمانيا (للمزيد يمكنك مراجعة كتاب كفاحي الذي كتبه هتلر عن حياته).
2 – في الحقيقة برلين لم تسقط بسهولة إذ إن الألمان قاتلوا بشراسة للدفاع عن عاصمتهم و في بعض أجزاء المدينة كانت وحدات النخبة النازية تقاتل من بيت إلى بيت وكانت هناك مقاومة عنيفة من قبل الآلاف من قوات الجيش و الشرطة و المتطوعين من شبيبة هتلر (أطفال و مراهقين) و بلغت خسائر السوفييت أثناء معركة برلين قرابة النصف مليون بين قتيل و مفقود و جريح و قد انتقم الجنود الروس (ربما بسبب الجرائم التي اقترفها النازيين في روسيا) بعد انتهاء المعركة إذ تعرضت المدينة للنهب و الغارة و اغتصبت قرابة المائة ألف امرأة ألمانية و عانى السكان من الجوع و المرض.
3 – رغم ان الكثير من الكتب دارت حول حياة هتلر الجنسية و علاقاته بالنساء و اتهامه من قبل البعض بالشذوذ الجنسي إلا انه لا يوجد أي دليل يثبت انه كان شاذا فالرجل ارتبط بعدة علاقات مع النساء قد تكون أشهرها هي علاقته مع ايفا براون و هي الوحيدة التي تزوجها (لمدة 40 ساعة!) , أما أشهر علاقاته التي دار حولها اللغط و الإشاعات فهي مع ابنة أخته "غير الشقيقة" جلي رابول و رغم انه لا يوجد أي دليل يؤكد إن العلاقة بين الاثنين كانت جنسية إلا ان هتلر كان يبدي شغفا غير طبيعي بجلي و قد عثر عليها ميتة اثر إصابتها بعيار ناري في بيت هتلر و قيل حينها أنها انتحرت إلا ان المؤرخين يعتقدون انها قتلت و يتهم بعضهم هتلر أو احد معاونيه بقتلها لأنها أرادت ترك هتلر و السفر إلى فيينا , و جميع المؤرخين يتفقون على ان موت جلي كان بمثابة تحول جوهري كبير في حياة هتلر إذ ان شيئا ما مات داخله منذ ذلك الحين و استل معه أي شعور إنساني كان يحمله و يقال ان هتلر كان يحتفظ بصورة لجلي في جميع غرف نومه و انه كان يتأملها بحزن قبل أن يخلد إلى النوم كما كان يحظر على الأشخاص المحيطين به ذكر اسمها لما يسببه ذلك من أذى نفسي له (صورتها مرفقة مع الهامش).
4 – يبدو ان سم السيانيد كان وسيلة الانتحار المفضلة لدى النازيين فمعظمهم كانوا يحملون كبسولات صغيرة تحتوي على هذا السم استعملوها لاحقا لقتل أنفسهم فمثلا هيملر انتحر بالسيانيد بعد ان قبض الانكليز عليه فباغتهم و ابتلع كبسولة السم و مات في الحال أما غورنغ فقد حكم عليه بالإعدام في محاكمات النازيين في كوتنبرغ إلا ان حراس زنزانته وجدوه ميتا في فراشه و تبين انه انتحر عن طريق ابتلاع كبسولة سيانيد لا يعلم على وجه الدقة كيف وصلت إليه رغم الحراسة المشددة , أما مارتن بورمن الذي كان أخر من غادر دار المستشارية بعد انتحار هتلر فلا يعلم مصيره على وجه التحديد و لكن الرواية الرسمية تقول بأنه انتحر هو و احد الضباط بعد ان حوصروا من قبل قوات الجيش الأحمر. و من المنتحرين بالسيانيد أيضا هو جوزيف غوبلز حيث قام هو و زوجته ماغدا بقتل اطفالهم الستة أولا عن طريق السم ثم انتحرا بعد ذلك و ذلك بعد يوم واحد فقط من انتحار هتلر. و لمعلوماتك عزيزي القارئ فأن السيانيد (Cyanide ) سم قاتل يجعل خلايا الكائن الحي غير قادرة على استخدام الأوكسجين و كمية صغيرة منه (1.5 ملغم لكل 1 كيلو غرام) كافية لقتل أي كائن حي خلال دقائق قليلة و أول الأعراض تكون في العادة صعوبة في التنفس تتبعها غيبوبة ثم سرعان ما يموت الإنسان مختنقا. و بسبب طبيعة السيانيد القاتلة فقد استعمله النازيين في قتل ملايين البشر في عنابر الغاز و كذلك تمتلك الدول العظمى اليوم صواريخ كيميائية مجهزة بغاز السيانيد و هناك أيضا بعض الجماعات الإرهابية التي حاولت استعماله لتنفيذ هجماتها القاتلة مثل طائفة أوم في اليابان (في الصورة المرفقة يظهر غوبلز مع زوجته و اطفاله و اسفلها صورة غورنغ بعد انتحاره في زنزانته و تحتها صورة هيملر بعد انتحاره و جميعهم انتحروا بالسيانيد).

قصة فرانكنشتاين الحقيقية

قالوا قديما بأن السحر قد ينقلب على الساحر .. والعلم أيضا قد ينقلب على العالم .. كما حدث مع ذلك الشاب ‏العبقري الذي لم يتخيل أبدا بأن المسخ المشوه الذي أنشئه وسواه سينقلب ويتمرد عليه فيحيل حياته إلى جحيم، ‏وبأن الموت سيكمن في جسد ذلك الوحش المرعب ليستل روح أحب الناس إليه بلا رحمة. ولأن الخلق هو من ‏شأن الخالق وحده، لذلك حين نحاول نحن البشر التشبه بخالقنا فأننا قد نقع في مطبات لا تحمد عقباها. فاليوم يحلم ‏الكثير من العلماء بصناعة حواسيب وروبوتات لديها القدرة على التفكير واتخاذ القرار، وربما سيأتي زمان ‏تصبح فيه هذه الأجهزة واقعا متحكما بكل شيء في حياتنا .. فما الذي يضمن عدم انقلابها وتمردها علينا ؟! أم أن ‏هذا يحدث في القصص فقط .. كما في قصتنا لهذا اليوم.
فرانكنشتاين كما جسدته هوليوود .. الى اليسار ملصق فلم عام 1994
من منا لم يشاهد شخصية فرانكنشتاين (Frankenstein ) في السينما أو على شاشة التلفاز، ذلك المسخ الضخم ذو السحنة الشاحبة والملامح الجامدة الذي تملئ الغرز والقطب وجهه وجسده كأنه دمية جمعت أجزاءها على عجل. مشيته وحركاته مميزة كأنه إنسان آلي، وهو شديد الخجل من شكله وهيئته، لذلك يفضل التواري في الأماكن المظلمة والمهجورة بعيدا عن أعين الناس الفضولية والمتطفلة.. أنه مسخ مخيف ومسكين في آن واحد، اخترعه شاب عبقري يدعى "فيكتور فرانكنشتاين" بعد أن لملم وجمع أجزاءه من جثث الموتى وبث فيه الحياة باستخدام الصواعق. لكن حين دبت الحياة أخيرا في المسخ، ندم فيكتور بشدة لما صنعت يداه، فقد شاهد فيه عملاقا بشعا ترتعد منه الفرائص فتركه وحيدا وهجره، ولهذا طغت على نفس ذلك المخلوق المنبوذ مشاعر ملئوها الكراهية والسخط والغضب من "خالقه" القاسي، ولم تلبث أن تحولت تلك المشاعر إلى انتقام فظيع سيودى في النهاية بحياة الاثنين .. المسخ وصانعه.
روبرت دينيرو في دور المسخ - 1994 -
شخصية فرانكنشتاين نالت قسطا وافرا من الشهرة منذ ظهورها لأول مرة في رواية حملت نفس العنوان نشرت في لندن عام 1818 وهي من تأليف شابة مغمورة في الثامنة عشر من عمرها تدعى ماري شيلي (Mary Shelley ) حالفها الحظ وساعدها وشجعها زوجها الشاعر فحققت روايتها نجاحا وقبولا منقطع النظير وسرعان ما تلقفتها المسارح الأوربية وجسدتها لاحقا عشرات الأفلام السينمائية ومسلسلات التلفزيون. ولأن الناس تعلقوا بشخصية المسخ أكثر من أي شيء أخر في الرواية، لذلك أطلقوا عليه خطأ تسمية فرانكنشتاين، في حين أن هذا الاسم يعود في الحقيقة للمخترع الشاب الذي صنع المسخ. أما المسخ نفسه فلم تعطه ماري شيلي أسما معينا خلال روايتها وإنما أشارت إليه بصفات متعددة كـ "الوحش" و "المسخ" و "العفريت".
حياة ماري شيلي نفسها لم تختلف كثيرا في بؤسها عن حياة المسخ الذي قدمته للعالم، إذ ماتت أمها الكاتبة والمدافعة عن الحريات النسائية "ماري ولستونكرافت" وهي لم تزل رضيعة بعمر 11 يوم فقط. ونشأت في كنف والدها الكاتب والفيلسوف ذو الآراء الحرة "وليم غودون" الذي تزوج لاحقا بجارته الأرملة التي على ما يبدو لم تكن على وفاق مع ماري وكانت تفضل عليها أطفالها من زوجها الراحل. الناحية الجيدة الوحيدة في طفولة ماري تجسدت في حرص والدها الشديد على تعليم وتثقيف أبنته على أحسن وجه.
ماري شيلي مؤلفة الرواية
في سن المراهقة عشقت ماري شابا متزوجا هو الشاعر الرومانسي "بيرسي شيلي"، علاقة الاثنان كانت مرفوضة من قبل المجتمع الانجليزي المحافظ آنذاك، إلا أن ذلك لم يفت في عضد الحبيبين اللذان سافرا سرا إلى فرنسا واستمرا في علاقتهما حتى تكللت بالزواج أخيرا بعد انتحار زوجة بيرسي الأولى.
الزوجان رزقا بأربعة أطفال لم يعش منهم سوى صبي واحد، وقد ترك موت الأطفال أثرا لا يمحى في نفس ماري. ثم حلت الطامة الكبرى عام 1822 بموت الزوج بيرسي غرقا أثناء رحلة بالقوارب.
السنوات اللاحقة من حياة ماري كانت عبارة عن صراع مستمر مع الفقر والفاقة، والمؤلم حقا هو أنه برغم كونها كاتبة من الطراز الأول، ورغم شهرة روايتها التي طبقت الآفاق، ناهيك عن شهرة زوجها الراحل، إلا أن ماري لم تستطع أبدا أن تجد لنفسها مكانا محترما بين أفراد المجتمع المخملي الانجليزي، فقد نبذها ذلك الوسط البراق .. أو ربما هي لم تستطع مجاراة متطلباته بسبب فقرها المزمن فأنزوت وحيدة تشكو الزمن آهاتها.
ماري لم تتزوج ثانية وظلت وفية لزوجها الراحل الذي قضت معظم ما تبقى من عمرها تجمع وتحقق قصائده  وتهتم بنشرها، عاشت أيامها الأخيرة بسعادة مع أبنها الوحيد وزوجته، ووافتها المنية بسبب المرض عام 1851 عن ثلاث وخمسون عاما.

فرانكنشتاين الحقيقي

لسنوات طويلة تسأل الناس عن المصدر الذي استوحت ماري شيلي روايتها منه، البعض رأى في القصة بعدا دينيا وفلسفيا، فباعتقاد هؤلاء، يشير المسخ في واقع الأمر إلى الشيطان أو إبليس الذي تمرد على ربه وخالقه.
شاهدت في الكابوس شابا منكبا على صنع المسخ
أما ماري شيلي فقد زعمت بأنها استوحت شخصيات حكايتها من حلم شاهدته أثناء نومها. الأمر كله بدأ في يوم ماطر وبارد من أيام عام 1816، ماري شيلي كانت برفقة زوجها في عطلة بسويسرا وكانا في ذلك اليوم في ضيافة صديقهم النبيل والشاعر الانجليزي اللورد بايرون، كان مقررا أن يقضوا نهارهم في أحضان الطبيعة السويسرية الخلابة، لكن الطقس السيئ أجبرهم على البقاء حبيسي جدران قصر اللورد، ولتمضية الوقت وقتل الملل جلسوا جميعا قرب الموقد وراحوا يسلون أنفسهم بقراءة قصص الأشباح، وبوحي من تلك القصص أقترح اللورد بايرن أن يكتب كل منهم قصة رعب يؤلفها بأسلوبه الخاص.
في بادئ الأمر لم تجد ماري شيلي ما تكتبه، لكن في تلك الليلة جاءها الإلهام أثناء نومها على شكل كابوس مرعب شاهدت خلاله شابا شاحب الوجه منكبا على طاولة ضخمة يجمع شتات ما بدا كأنه مسخ بشري غاية في البشاعة، ماري لاحظت بأن الحياة بدأت تدب شيئا فشيئا في جسد ذلك المسخ بواسطة مصدر طاقة ذو قوة خارقة .. كان مشهدا مخيفا أوحى لماري بفكرة روايتها الخالدة.
لكن بعيدا عن قصة الكابوس المزعوم، يعتقد العديد من الباحثين اليوم بأن للقصة جذور حقيقية أبعد بكثير من كونها مجرد حلم أو طيف داعب خيال المؤلفة الشابة. فأسم فرانكنشتاين هو في الحقيقة لقب عائلة ألمانية نبيلة عريقة اشتهرت بقلعتها القديمة التي انتصبت أبراجها العالية لقرون طويلة بالقرب من مدينة دارمشتات الألمانية، ويرجح بعض الباحثين بأن السيدة شيلي وزوجها مروا بتلك القلعة القديمة وربما باتوا ليلتهم فيها أثناء رحلتهم إلى سويسرا.
هناك داخل القلعة ربما سمعت ماري شيلي لأول مرة بحكاية العالم الغريب الأطوار يوهان كونراد ديبيل (Johann Konrad Dippel ) واطلعت على الحكايات العجيبة التي تداولها الناس حول تجاربه. كان شخصية مثيرة للجدل بكل معنى الكلمة، فقد ولد في قلعة فرانكنشتاين عام 1673 ودرس في شبابه علم اللاهوت والفلسفة والكيمياء .. وادعى النبوة لفترة من الزمن !.
كان يذيل بحوثه وكتاباته بأسم يوهان كونراد دي فرانكنشتاين، وكان دائم الوقوع في المشاكل بسبب تصرفاته وآراءه العلمية والدينية الغريبة ، حبس مرة بتهمة التشبه بملك السويد! وأخرى بتهمة الهرطقة.
قلعة فرانكنشتاين الحقيقية - المانيا -
يوهان ديبل كان مولعا بالكيمياء، ذلك العلم الذي أعتبره القدماء بحرا يزخر بالرموز والطلاسم الغامضة، وقد غاص يوهان في لجة ذلك البحر العاتي وخرج للعالم بإكسير زعم بأن له نفس الخواص السحرية لـ "أكسير الحياة"، أي أنه يطيل العمر ويجدد الشباب. وكانت طريقة صناعة ذلك السائل الخارق لا تقل غرابة عن خواصه العجيبة، فهو يتألف من أمور قد لا يتخيلها العقل .. دماء .. أمعاء .. عظام وأجزاء من جيف الحيوانات الميتة مزجت بعناية داخل وعاء معدني كبير أشبه بذلك الذي كانت ساحرات العصور الوسطى تستخدمه في تحضير وصفاتهن، ثم أضيف إلى ذلك المزيج الغريب مقادير معينة من المواد الكيميائية.
المثير للدهشة حقا هو نجاح يوهان في تسويق سائله الخارق ذاك، إذ باع بعضا منه إلى نبيل ألماني عجوز بعد أن وعده وأغراه بعمر مديد يصل إلى 135 عام. لكن العجوز في الحقيقة لم يعش سوى لسنوات قليلة رغم مثابرته على شرب ذلك الترياق السحري كل صباح!.
إضافة إلى إكسيره العجيب، هناك قصص عن أمور رهيبة أقترفها يوهان أثناء مكوثه في قلعة فرانكنشتاين، فالرجل على ما يبدو كان عالما مخبولا كأولئك العلماء منفوشي الشعر الذين نشاهدهم أحيانا في الأفلام. كان اهتمامه منصبا على الكيمياء وعلم التشريح. وقد تحدث السكان القرويين القاطنين بالقرب من القلعة عن قيامه بتجارب يشيب لها الولدان .. تجارب أستخدم فيها الجثث والجيف البشرية، وحاول في إحداها نقل الروح من جثة إلى أخرى! كما حاول إعادة الحياة لبعض الموتى عن طريق تمرير التيار الكهربائي في أجسادهم. ولأن مصادر الكهرباء المعروفة اليوم لم تكن متاحة في ذلك الزمن الغابر، لذلك قام يوهان بتشييد برج ضخم شاهق لاقتناص شحنات الصواعق الكهربائية .. ولك أن تتخيل عزيزي القارئ ذلك العالم المجنون يرقص طربا وسط جثث الموتى تحيط به قواريره الملونة الغريبة وقدوره التي تغلي بمواد لا يعلم كنهها سوى الله .. ولك أن تتخيله وهو يضحك ملئ شدقيه مبتهجا بقدوم العواصف الرعدية الهائجة التي ستمنحه صواعقها الطاقة اللازمة لأجراء تجاربه المجنونة .. لكن هل كانت تجاربه مجنونة حقا ؟! أم كان الرجل نابغة عبقري سبق عصره بقرون! .. قد لا يعلم ذلك سوى الله .. فالرجل انتهى به الأمر ميتا في ظروف غامضة، ويقال بأنه نجح قبل موته في صناعة كف بشرية بإمكانها التحرك من تلقاء نفسها!.
على العموم، تجارب يوهان لم يكتب لها الاستمرار طويلا، فالناس القرويون البسطاء هالهم ما سمعوه عن تجاربه في القلعة، ارتعدوا خوفا وتملكهم الغضب من الشرور الشيطانية التي كانت تقترف بالقرب من أكواخهم الخشبية، وفي نهاية الأمر تحول غضبهم إلى ثورة عارمة أجبرت العالم الغريب الأطوار على مغادرة مختبره الذي بدا للثوار أقرب إلى مسلخ بشري منه إلى مختبر علمي .. يوهان كونراد ديبل عثر عليه ميتا .. مسموما على الأرجح .. في قلعة ويتنغستاين في يوم ما من عام 1734.

الكهرباء وإحياء الموتى!

جالفاني أجرى تجاربه على الضفادع الميتة
الباحثين هذه الأيام يجدون صعوبة كبيرة في فصل الخرافة عن الحقيقة بشأن تجارب العلماء القدماء، ومنهم يوهان كونراد ديبل، فالكهرباء في زمانه كانت لاتزال اكتشافا حديثا يحوطه الكثير من الغموض، وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر شاعت بين العامة الكثير من الخرافات بشأن هذه الطاقة الجديدة بسبب الجهل والتخلف الذي كان متفشيا كالوباء آنذاك. فعلى سبيل المثال، أعتقد الكثيرون في ذلك العصر بأن الكهرباء تستطيع إعادة الحياة إلى الموتى!. وقد لعب الفهم الخاطئ لسلوك المواد والأجسام التي يمر خلالها التيار الكهربائي دورا كبير في تعزيز هذه الخرافات، ففي عام 1780 قام العالم الايطالي "ليوجي جالفاني" بتجارب مرر خلالها تيارا كهربائيا داخل جسد ضفدعة ميتة ولاحظ حدوث حركة وارتجاف في أطرافها عند صعقها بالكهرباء. ثم قام أبن أخته ويدعى جيوفاني إلديني بتجارب من نفس النوع على موتى البشر. إحدى تلك التجارب المثيرة للجدل نفذها في ساحة عامة من ساحات لندن عام 1791 وجعل جمهور المشاهدين خلالها يصابون بالذهول والحيرة. جيوفاني قام بربط أسلاكه الكهربائية إلى جسد جثة بشرية تعود لمجرم تم إعدامه شنقا في صبيحة ذلك اليوم، ثم مرر تيارا كهربائيا مقداره 120 فولت إلى ذلك الجسد الميت، ما حدث بعد ذلك جعل صرخات الرعب والتعجب ترتفع من كل حدب وصوب حتى أنه أغشي على بعض النساء، فالجثة الهامدة أنقبضت ملامحها كما لو أنها كانت تتألم، ويقال بأنها فتحت عينها وراحت تحدق إلى جيوفاني كأنما أرادت معرفة شخص معذبها، وحين زاد جيوفاني من شدة التيار الكهربائي أخذت الجثة ترتعش وتتخبط حتى ظن الجمهور بأنها ستقوم عائدة إلى الحياة.
الى اليمين فلم فرانكنشتاين عام 2004 والى اليسار لعام 1931
طبعا تجربة جيوفاني لم يكن فيها ما يثير العجب، لكن كما أسلفنا، جهل عامة الناس .. بل وحتى العلماء آنذاك .. بسلوك الأجسام الموصلة التي يمر خلالها التيار الكهربائي هو الذي جعلهم يتصورون بأن للكهرباء قدرات خارقة، بل آمن العديد منهم بأن شحنة كهربائية فائقة بإمكانها حقا إعادة الحياة إلى الموتى!.
تجربة جيوفاني جرت قبل سنوات قليلة فقط من ولادة ماري شيلي، ولاشك في أن قصة تلك التجربة المثيرة وما رافقها من إشاعات حول قدرات الكهرباء الخرافية كان صداها لازال يتردد في الأوساط اللندنية أثناء طفولة ومراهقة ماري، وعليه فمن المرجح جدا بأن تكون المؤلفة الشابة قد استوحت أحداث روايتها من تلك الاعتقادات الخرافية التي كانت رائجة في عصرها ثم مزجتها بإبداع مع حكاية العالم الألماني غريب الأطوار لتخرج إلى العالم برواية خلبت لباب القراء والمشاهدين لعدة أجيال.

خطوط نازكا: لغز وفن بشري

خطوط نازكا في البيرو - صورة ملتقطة من الجو تظهر شكلاً أسطورياً مرسوماً على الهضبةتظهر على بعض سهول وهضاب دولة البيرو (تقع في أمريكا الجنوبية) خطوط هائلة الحجم تشكل لوحات أرضية يطلق على إحداها جيوغلايف Geoglyph لا يمكن ملاحظتها من الأرض مباشرة بسبب امتدادها على مساحات شاسعة من الأراضي ولكن يمكن مشاهدتها من علو مرتفع أو بالطائرة. تجسد الخطوط المذكورة أشكالاً لحيوانات كالقرود والطيور والعناكب وحيوانات اللاما والسحالي وأشكال هندسية وأسطورية أخرى ، اشتهرت هذه الخطوط بـاسم خطوط نازكا Nazca Lines نسبة إلى السهل الذي اكتشفت فيه، ويقع في صحراء البيرو الجنوبية القاحلة بين مدينتي نازكا و بالبا التي تبعد حوالى 400 كيلومتر جنوب ليما عاصمة البيرو، تغطي الخطوط مساحة 450 كيلومتر مربع تقريباً من الصحراء الرملية وكذلك المنحدرات من معالم جبال الأنديز. ويبلغ عدد الاشكال حوالى 300 شكل ، ومعظم الأشكال الهندسية مرئية بوضوح من الجو. وما يثير الإستغراب في تشكيلات الخطوط أنها هائلة الحجم وفي منتهى الدقة الهندسية فكيف إذن يتمكن شعب قديم من رسمها دون الإستعانة بطائرة أو نظام تحديد المواقع بالأقمار الصناعية أو GPS ؟! إذا لم يتمكن البشر في العصر الحديث من إكتشافها إلا من خلال رؤيتها من الطائرة حدث ذلك للمرة الأولى عند بداية استخدام الطيران التجاري عبر صحراء البيرو في عام 1920. ويعتقد أن الخطوط ظهرت للوجود في الفترة بين 200 قبل الميلاد إلى 600 بعد الميلاد .
سر بقاء الخطوط لفترة طويلة من الزمن:

يعتبر سهل نازكا فريد من نوعه لقدرت على الحفاظ على العلامات ، ويرجع ذلك الى مزيج من المناخ فهو يعد من أحد أكثر المناطق جفافا على الأرض مع عشرين دقيقة فقط من هطول الامطار في السنة وتضاريس الارض الحجرية التي تقلل تأثير الرياح عند مستوى سطح الأرض إلى أدنى حد فلا غبار أو رمال يغطي السهل.

خطوط مشابهة في كازاخستان:

شوهدت خطوط نازكا مشابهة في كازاخستان تجسد شكلاً بشرياً بين هيكلين مجهولينفي الآونة الأخيرة تناولت وسائل الإعلام في دولة كازاخستان (إحدى أكبر جمهوريات الإتحاد السوفييتي السابقة في وسط آسيا) بالإضافة إلى موقعها الحكومي على الإنترنت تقريراً عن إكتشاف مدهش لأشكال مرسومة على الأرض تدعى Geoglyph والغريب أنها تشبه تلك الأشكال الشهيرة التي عثر عليها في البيرو والمعروفة بـ "خطوط نازكا" Nazca Lines ، و تغطي اللوحة الأرضية التي عثر عليها في كازاخستان مساحة كبيرة من الأرض كما هو مبين في الصورة التي تجسد شكلاً بشرياً مقحماً في الرسم بين هيكلين غريبين. يقع ذلك الرسم في جبال "كاراتاو" النائية في جنوب كازاخستان. وكانت كازاخستان قد شهدت فعالية كبيرة ومشاهدات عديدة لأجسام طائرة مجهولة ، ومؤخراً تدرس الحكومة فكرة إقامة مهبط للأطباق الطائرة وسفارة خاصة للمخلوقات الفضائية من باب الدعابة ، وفعلاً تتطلع حركة رائيل لإقامتها في إسرائيل فهل يتحقق هدف الحركة في كازاخستان ؟ إقرأ عن الحركة الرائيلية

فرضيات التفسير:

تعددت الفرضيات التي تطرح تفسيرات محتملة لسبب وجود تلك العلامات على الأرض والغاية منها، نطرح أهمها:

1- رسالة من مخلوقات خارجية أو مهبط للأطباق الطائرة:

بهدف توجيه رسالة ما لأهل الأرض تخبر عن وجودهم وقدرتهم المتفوقة قامت مخلوقات كانت وما تزال تزور الأرض برسم تلك الخطوط في البيرو وغيرها. وفي عام 1968 اقترح الكاتب السويسري"انريك فون دانيكن" في كتابه "عربات من الآلهة" أن الخطوط القديمة وقد بنيت من قبل رواد الفضاء على الهبوط او المخلوقات الفضائية وهذه النظرية منتشرة بشكل كبير.

2- عبادة أهل النجوم:

كانت تلك الرسومات الأرضية وما زالت تجذب إهتمام الباحثين في الأجسام الطائرة المجهولة UFO ، فبعض الباحثين يرى أنها قد تكون رسائل أو علامات وضعها شعب قديم لمصلحة مخلوقات آتية من الفضاء الخارجي ، حيث زعم عدد من الدارسين في ظاهرة الأجسام الطائرة المجهولة (يوفو) أنه في أوقات الأزمات والكوارث كان القوم البدائيين يعمدون لتشكيل رسوم أرضية هائلة الحجم لجذب انتباه المخلوقات التي كانت "آلهة النجوم" بالنسبة إليهم عسى أن تساعدهم في تزويدهم بالماء أو تخصيب الأراضي الزراعية، ولكن لحد الآن لم يتم البرهنة على تلك الفرضية. ويزعم آخرون أن الرسم الذي عثر عليه في كازاخستان يجسد أحد مخلوقات الفضاء الذي زار مرة تلك المنطقة وتفاعل مع سكانها المحليين .

3- تقويم فلكي:

نماذج خطوط نازكا تجسد قروداً و طيوراً و عناكبماريا ريتش عالمة الرياضيات وعالمة الآثار الشهيرة لخطوط نازكا أعربت عن اعتقادها ان الخطوط تقويم فلكي يستخدمه شعب الأنكا في تحديد أوقات زراعة المحاصيل والحصاد ويشير الى اتجاه و ارتفاع النجوم والكواكب.

و تشكيلات مثل العنكبوت والقرد يمكن ان تظهر نجمة قطبية مثل اوريون وان هذه الخطوط ترجع إلى عام 300 قبل الميلاد بناء على تواريخ الكربون المشع الموجود فى التربة هناك، كما ترفض ماريا ريتش الفرضية التي تقول أن مخلوقات من خارج الأرض قامت بعمل تلك الخطوط .كرست "ماريا ريتش" معظم حياتها في دراسة تلك الخطوط وتوفيت في عام 1998 وهي تبلغ 95 سنة ودفنت في تلك المنطقة القاحلة. في عام 1968 ذهب الاستاذ "جيرالد هوكنز" وفريقه الفلكي لدراسة سهل نازكا لاثبات نظرية ماريا ريتش لكنهم لم يوفق ، كما أسفرت دراسة أخرى قامت بها الجمعية الجغرافية الوطنية فى البيرو عن أن الخطوط المذكورة لم تكن تشير حينها إلى أي تطابق بين مواقع نجوم أوكواكب قبل 2000 عام . وفي الآونة الاخيرة أشار العالم "يوهان راينارد ا"إلى أن الجبال المحيطة كانت أكثر أهمية لكي تستخدم كتقويم الشمسي ؛ وأن الخطوط ليس لها دور هنا .

4- طقوس دينية لجلب الخصب:
 
يؤيد تلك الفرضية المتشبثون بالدليل العلمي و الرافضون لفرضية المخلوقات الفضائية وبحسب تلك الفرضية فإن خطوط نازكا هي محصلة عمل جماعي تطلب مئات السنين وأعداد ضخمة من الناس كانوا يعملون في المشروع. ولكن حجم المشروع الهائل وغرابة الهدف أدى إلى اعتقاد البعض حول قيام مخلوقات آتية من كوكب آخر بالإشراف أوتنفيذ المشروع. يعتقد "إنريك فون دانيكن" أن خطوط نازكا مهبط جوي لمركبات المخلوقات الفضائية وهي فكرة أتى على ذكرها أول مرة "جيمس دبليو موسلي" في أكتوبر من عام 1955 في مقالة تتناول المصير وانتشرت شعبيتها في أوائل الستينيات على يد "لويس باولس" و "جاك بيرجيه" في كتاب بعنوان: "صباح السحرة".

- إن كانت تلك الخطوط فعلاً مهبطاً أرضياً فلماذا لها أشكال عناكب وطيور وكلاب و لاما أو خطوطاً متقاطعة أو بشكل ZigZag ؟، كما أن المطار هو بالعادة مكان مزدحم جداً ويحتاج إلى أن يكون بطول 60 كيلومتر أو أكثر ليستوعب حركة المرور تلك ويستعبد أن تهبط مركبات فضائية في تلك الأماكن دون أن تتسبب في الإضرار في تلك الأعمال الفنية المرسومة على التربة ولا يوجد دليل واحد على حدوث هذا.

- لاقت فرضية المخلوقات راوجاً واسعاً لأن بعض الناس يجدون صعوبة في تصديق أن شعباً بدائياً من الهنود الحمر كان لديه من الذكاء والحيلة للإتيان بمشروع كهذا، نستطيع العثور على أدلة عن ذلك عندما نشهد آثار عظمة حضارة شعوب الأزتك والتولتكس والإنكا والمايا وغيرها، تعتبر تلك الأدلة كافية عن عدم حاجة شعب الإنكا لمخلوقات من خارج الأرض لمساعدتهم في رسم أعمال فنية أرضية على أرض الصحراء.

- في العديد من الحالات لا يحتاج المرء لأدوات أو تكنولوحيا معقدة جداً لعمل أشكال هندسية هائلة الحجم أو خطوط مستقيمة تشبه ما شهدناه عن دوائر المحاصيل Crop Cricles حيث استطاع مجموعة من الحائكين أن يأتوا بنماذج وتصاميم شديدة التعقيد على محاصيل القمح.

العمل الأكثر صعوبة في مشروع خطوط نازكا سيكون تحريك الحجارة لكشف طبقة فاتحة اللون من التربة الباطنية ، فلا يوجد إذن ما يثير الغموض في الكيفية التي استطاع بها شعب الإنكا عمل تلك اللوحات الأرضية.

شعب الأنكا شعب زراعي وبالطبع عاش ما قبل المكننة الزراعية أو المعتمدة على الوسائل العلمية وفي تلك الفترة يلعب السحر والخرافات (بما فيها الاعتقادات الدينية) دوراً كبيراً في مساعدتهم في محاصيلهم الزراعية ، امتلك شعب الإنكا المعرفة اللازمة للري والزراعة والحصاد والتخزين والتوزيع ، لكن الطقس متقلب ولن تكون الأمور دائماً على ما يرام لسنوات أو حتى قرون وهذا أدى إلى إجبارهم على الرحيل بمن فيها أجيال ومجتمعات بكاملها نظراً للجفاف الشديد والفيضانات وموجات المد البحرية أو تفجر البراكين وحدوث الزلازل والحرائق.

5- فرضيات أخرى:

ترجح فرضيات اخرى أن الخطوط استخدمت كاُداة للارصاد الجوية ، أو أماكن للقرابين التى يتم التضحية بها أو مكان لممارسة الطقوس الدينية القديمة في حضارة الأنكا.

كتاب الشيطان

صفحة تصور الشيطان في مخطوطة براغ كانت السبب بتسميتها بكتاب الشيطان
في عام 2007 أعادت المكتبة الوطنية في السويد كتاباً ضخماً للغاية يضم مجموعة من المخطوطات التاريخية إلى مكانها الأصلي في المكتبة الوطنية لمدينة براغ عاصمة دولة التشيك حيث تعرض هناك.


يعرف هذا الكتاب بكتاب الشيطان Devil's Bible نظراً لاحتوائه على تصوير للشيطان في داخله وللأسطورة التي تحيط بكتابته ، عاد ذلك الكتاب إلى مكانه الأصلي بعد مرور 359 سنة وبعد سنوات من المفاوضات التي جرت بين دبلوماسيين من كلا البلدين، كتبت تلك المخطوطات في أوائل القرن الثالث عشر أي في حقبة العصور الوسطى وذلك في دير بنيديكتين في بودلازيس في مقاطعة بوهيميا، لا تزال تعتبر تلك المخطوطات أعجوبة العالم وأضخم عمل من نوعه في العصور الوسطى وقد أخذته القوات السويدية من قلعة براغ في عام 1648.

مخطوطة خطها "الشيطان" !
 
تقول الأسطورة أن تلك المخطوطة كتبت بمساعدة الشيطان والتي تعرف بـ مخطوطات جيجاس Codex Gigas (تعني بالإنجليزية Giant Book أو الكتاب الضخم).ووفقاً للأسطورة فأن الذي خطها هو راهب نقض عهد الدير عليه فحوكم وقضت العقوبة بأن يعلق جسده على الحائط وهو حي، فطلب التماساً بهدف أن لا تقع عليه تلك العقوبة القاسية بأن وعد بكتابة كتاب في ليلة واحدة فقط لتمجيد الدير للأبد يتضمن كل معارف الإنسان وعندما اقترب منتصف الليل بات متأكداً أنه لن يكون باستطاعته إتمام هذه المهمة الضخمة لوحده فأدى صلاة خاصة لم تكن موجهة إلى الله ولكن للشيطان(الذي عرف أيضاً بالملاك الساقط من السماء في المعتقد المسيحي) لكي يساعده في إنهاء الكتاب مقابل أن يبيع نفسه للشيطان ولما انتهى الكتاب أضاف ذلك الراهب صفحة فيه تصور الشيطان كعرفان منه للجميل الذي أسداه له. ولحد الآن لا يعرف أصل تلك الأسطورة ولكن الذي يشاهد حجم تلك المخطوطة يذهل بحجمها وقد يظن أنها من عمل خارق للطبيعة، والغريب أنه بالرغم من انتشار تلك الإسطورة إلا أن الكنيسة آنذاك لم تحرم تداول تلك المخطوطات بين التلامذة ، حينها كانت الكنيسة تتحكم بالأمور في أوروبا وتعاقب من يلحد أو يتعامل بالسحر حرقاً على الأعواد أو تعذيباً حتى الموت عبر محاكم التفتيش.

المخطوطات: محتواها ، حجمها ، أصلها:

 
لاحظ حجم المخطوطة التي تعتبر أعجوبة العالم في العصور الوسطىتتألف المخطوطة من خمسة أقسام نصية طويلة من بينها الكتاب المقدس Bible بعهديه القديم والجديد، تبدأ المخطوطات بالعهد القديم يتبعها عملين تاريخيين لـ فلافيوس جوزيفوس الذي عاش في القرن الأول الميلادي يتكلم فيها عن الحرب اليهودية وبعض القصص القديمة، يتبعه الموسوعة الأكثر شعبية في العصور الوسطى وهي من عمل إيزيدور الذي عاش في القرن السادس في إسبانيا. ويتبع ذلك مجموعة من الأعمال الطبية وبعدها العهد الجديد من الكتاب المقدس، وآخر الأعمال يتضمن سرد تاريخي لمقاطعة بوهيميا كتبه كوسماس من براغ (من 1045 حتى 1125 ميلادية) وهو أول تأريخ لـ بوهيميا. كما يوجد نصوص قصيرة في المخطوطة منها عمل عن الغفران ويقع قبل صفحة تصور مدينة السماوات Heavenly City ، والعمل الآخر يقع بعد صفحة تصور الشيطان وتتحدث عن أساليب مكافحة المس الشيطاني أو طرد الأرواح الشريرة ، أما آخر عمل قصير فهو لائحة بأسماء القديسين وبتواريخ الاحتفال بذكراهم من قبل السكان المحليين في بوهيميا (دولة التشيك حالياً).ويوجد أيضاً عمل مفقود تم إقتطاعه من الكتاب الضخم وعملاً يتناول دور القديس بنديكت وهو بمثابة كتاب إرشادي عن الحياة في الدير كتب في القرن السادس. يعتبر الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد في تلك المخطوطة الجزء الأهم بالنسبة للإيمان المسيحي أما النصوص الأخرى الإضافية فقد اختيرت بعناية لأنها تضم معلومات عن التاريخ اليهودي (أعمال جوزيفوس)والمعرفة الشاملة (أعمال إيزيدور)، والطب والتاريخ المحلي (أعمال كوسماس).والمخطوطة تتألف من 310 ورقة من النوع الفاخر ، ربما كانت مصنوعة من جلد العجل، يبلغ عرض الاوراق 49 سنتمتر وطولها 89 سنتمتر.


لحد الآن لا يعرف أصل تلك المخطوطة ولكن ملحوظة مكتوبة توضح أنها وضعت من رهبان بودلازيس وهم اصحاب دير في بلدة سيدليك في عام 1295 وثم نقلت إلى دير بريفنوف بالقرب من مدينهة براغ.جميع تلك الأديرة كانت موجودة في بوهيميا.لكن من المؤكد أن تلك المخطوطة ظهرت في مكان ما من بوهيميا وربما في دير صغير وغير هام.

تصوير الشيطان و مدينة السماوات:

 
صورة في المخطوطة تصور مدينة السماواتفي الصفحة 289 من المخطوطة نرى صورة تمثل مدينة في السماوات وهي ممثلة بطبقات وكل طبقة فيها أبنية والعديد من الأبراج (تشبه أبراج الكنائس)وخلف الجدران الحمراء يظهر أيضاً المزيد من الأبراج . وهذه المدينة خالية الناس وترمز للأمل والخلاص على عكس تصوير الشيطان. صورة الشيطان هي الصورة الأكثر شهرة في المخطوطة وتقع في الصفحة 290 وتمتد على كاملها، وهي سبب تسمية الكتاب بكتاب الشيطان Devil's Bible ، يظهر الشيطان في تلك الصفحة وهو محاط ببرجين طويلين على غرار صورة مدينة السماوانت ولكن مع خلفية فارغة ، وتظهر الشيطان بمخالب في يديه ورجليه وبأربع أصابع في كل يد وكل قدم.ويلبس فرواً يغطي أسفل جسده، والفرو له صلة عادة بمظهر ملوكي وهذا يعتبر تأكيداً على دور الشيطان كأمير للظلام. غاية ذلك البورتريه تذكير المشاهد بالخطيئة والشر حيث وضعت الصورتان على نفس الورقة ولكن في صفحتين متقابلتين عن عمد بهدف إظهار التباين الشاسع بين منافع الحياة الخيرة وسلبيات الحياة الشريرة. وهاتين الصورتين هما الوحيدتان اللتان تمتدان على كامل الصفحة في المخطوطة.

شاهد الفيديو:

 
خصصت قناة ناشيونال جيوغرافيك فيلماً وثائقياً لمدة 45 دقيقة تكشف فيه عن حقائق تاريخية وأسطورة الكتاب ، وما توصل إليه الباحثين في مكتبة السويد الوطنية حول هذه المخطوطة ، والنتيحة كانت أنهم تأكدوا من أنها من كتابة راهب واحد وليس مجموعة من الرهبان وبأنه لم يكتب من قبل الشيطان بل من هذا الراهب الذي ورد اسمه "هيرمان" في المخطوطة الضخمة نفسها ، وهو راهب مذنب  ولم يعرف ذنبه وقد يبقى مجهولاً للأبد ، وربما قضى حياته كلها في الزنزانة وهو ينسخ المخطوطة ناشداً تنوير معارفه ، وقد استغرق عملها على الأرجح بين 20 إلى 30 سنة .  وقد نجت هذه المخطوطة من الحروب والحرائق والطاعون بعد تنقلها بين بلد وبلد آخر وبين عائلة وعائلة أخرى إلى أن وصلت إلى مكتبة السويد الوطنية وبعد ذلك جرت إعادة المخطوطة إلى مكانها الأصلي في براغ- جمهورية التشيك.


كاليجولا الامبراطور الطاغية

شاب غر حملته الأقدار ليتقلد ارفع منصب في واحدة من أعظم الإمبراطوريات التي عرفتها البشرية , استبشر الشعب خيرا بسنوات حكمه الأولى و هدرت الجماهير الفرحة تهتف بأسمه , لكن فجأة , سقط صريع الفراش , اصابه مرض غريب عجز الأطباء عن علاجه , و حين ظن الجميع بأنه ميت لا محالة , فاجئهم جميعا بأن استعاد عافيته و قوته , لكنه لم يعد كسابق عهده , و ستشهد روما أيام سوداء حالكة تحت رحمة كاليغولا الذي سيصبح واحدا من أكثر أباطرتها جنونا و سادية.
ملاحظة و تحذير : هذا المقال يحتوي على وصف لأعمال سادية و جرائم اغتصاب و علاقات جنسية شاذة و محرمة , لذا يرجى الانتباه و الحذر عند النقل الى المنتديات و المواقع الاخرى.

اراد تعيين حصانه كعضو في مجلس الشيوخ الروماني!!

الى اليمين رأس تمثال روماني يعتقد بأنه يمثل الامبراطور كاليغولا و الى اليسار لقطة لأحدى حفلات كاليغولا الصاخبة و الماجنة و المأخوذة عن فلم عن حياته انتج عام  1979 و تظهر في اللقطة الممثلة الانكليزية العالمية Helen Mirren
ولد في 31 اذار / اغسطس عام 12 للميلاد , اسمه الحقيقي هو جيوس و هو الثالث من بين ستة اطفال رزق بهما والده , الجنرال جيرمينكوس القائد العسكري المحنك و المحبوب في أرجاء الإمبراطورية , و زوجته النبيلة اكربينا , و اللذان يعودان بنسبهما معا الى امبراطور روما الاول اوكتافيوس أغسطس , و هذا النسب النبيل سيكون نعمة و نقمة على الصغير جيوس , فمن جهة اكسبه شعبية كبيرة و جعله محبوبا من قبل الناس و سيحمله مستقبلا الى سدة الحكم , و من جهة اخرى سيكون سببا في سجنه و فقده لعائلته.
عندما كان في الثالثة من عمره , رافق جيوس والده في احدى حروبه في المانيا و هناك اطلق عليه الجنود اسم كاليغولا و معناه باللاتينية (حذاء الجندي الصغير) و ذلك لأن والده البسه زيا عسكريا كاملا مع الدرع و الحذاء مما اثار سخرية الجنود.
في السابعة من عمره , توفي والده اثر عودته من إحدى الحملات العسكرية في سوريا , و يعتقد بعض المؤرخين ان الإمبراطور طبريوس , الذي كان سيد روما آنذاك , هو الذي قام بتسميمه بعد ان رأى فيه غريما و منافسا على عرش الإمبراطورية بسبب أصله النبيل و شعبيته الكبيرة , و اثر موت والده , انتقل كاليغولا للعيش مع والدته و اخوته , لكن ذلك لم يدم طويلا , اذ سرعان ما ساءت العلاقة بين والدته و بين الامبراطور لذلك تم اعدامها و نفي احد اخوته و سجن الأخر ثم تم تجويعه حتى الموت , و لم يكن هذا المصير البائس لعائلة كاليغولا أفضل من مصير عوائل المئات من النبلاء الرومان الذي أعدمهم الإمبراطور و صادر ثرواتهم بتهمة بالخيانة و التأمر على العرش.
و اثر اعدام عائلته , انتقل كاليغولا مع اخواته الثلاثة للعيش في جزيرة كابري التي اصبحت مقرا للامبراطور الذي انتقل الها عام 26 للميلاد بعيدا عن دسائس و مؤامرات روما , و مما يثير الدهشة ان الامبراطور ابقى على حياة كاليغولا , و يرجح المؤرخون بأن السبب في ذلك يعود الى براعة كاليغولا الكبيرة في التملق و التذلل , فرغم ان الامبراطور قتل والديه و اخوته , الا ان كاليغولا كان بارعا في اخفاء مشاعر الكره التي يكنها و التظاهر بأنه خادم مخلص و مطيع , حتى ان الامبراطور قال عنه : "ليس هناك خادم أفضل و لا سيد أسوء من كاليغولا".
و خلال سنين الحجز الاجباري هذه , اهتم كاليغولا كثيرا بتوطيد علاقته مع ماركو الذي كان يشغل منصب رئيس الحرس الامبراطوري , حتى اصبح سندا كبيرا له في طريق الوصول الى العرش , و كان دائما يمدح ولاء و إخلاص كاليغولا أمام الإمبراطور ليحميه من الاعدام , فقد كان الإمبراطور كثير الشك و يبطش بأي شخص يحس منه خطرا على عرشه , و في عام 35 للميلاد , تحقق لكاليغولا ما كان يصبو اليه , فلأن الابن الوحيد للأمبراطور كان قد مات (او قتل بالسم) و لم يكن له ذرية سوى ولد صغير يدعى جيمليوس , و كذلك لأن اغلب رجال السلالة الحاكمة اما ماتوا او قتلوا , لذلك تم وضع اسم كاليغولا كوريث للعرش بالأضافة الى حفيد الامبراطور و الذي كان في الثانية عشر من العمر آنذاك.
عام 37 للميلاد , تدهورت صحة الامبراطور طبريوس و دخل في اغماءة طويلة , و بحسب روايات بعض المؤرخين فأن كاليغولا و بمساعدة ماركو قاموا بالتعجيل بموت الامبراطور عن طريق خنقه بوسادة , و لأن جميليوس كان لازال صغيرا لذلك  و بمساعدة من ماركو , فقد نودي بكاليغولا امبراطورا و استقبلته الحشود في روما بهتافات الحب و التشجيع , فقد رأوه المنقذ بعد ان ذاقوا الامرين خلال السنوات الاخيرة من عهد الامبراطور طبريوس , و بحسب رواية بعض المؤرخين الرومان فأن احتفالات تنصيب كاليغولا استمرت لمدة ثلاثة اشهر , اقيمت خلالها المهرجانات الراقصة و الصاخبة و جرت خلالها العديد من نزالات حلبة المصارعة الرومانية التي كانت الرومان يعشقوها اكثر من أي شيء اخر , كما تم التضحية للآلهة بما يقارب 160000 حيوان , و قد اجمع جميع من كتب عن تلك الفترة , بأن السبعة اشهر الاولى من حكم كاليغولا كانت في غاية الهدوء و السعادة , فقد قام كاليغولا بتخفيض الضرائب على المواطنين الرومان و قام بتوزيع الاموال على الفقراء و اقام المهرجانات و الاحتفالات الضخمة ليسعد الجماهير كما قام بألغاء المحاكم التي اقامها الامبراطور طبريوس للنبلاء و التي يتم بموجبها اعدامهم و مصادرة اموالهم. الا ان سعادة و غبطة روما بأمبراطورها الجديد لم تدم طويلا , ففي تشرين الاول / اكتوبر عام 37 للميلاد , مرض الامبراطور كاليغولا فجأة و سقط صريع الفراش , و اصبحت حالته وخيمة حتى ايقن البعض بهلاكه , و خيم الحزن على روما بسبب مرض امبراطورها الحبيب , و مع ان المؤرخين لم يذكروا طبيعة المرض , هل هو جسدي ام عقلي الا ان المؤرخ فيلو , و هو من المعاصرين لكاليغولا , يقول بأن افراط الامبراطور في الاستحمام و شرب الخمر و ممارسة الجنس كان هو السبب الرئيسي لمرضه , كما ان كاليغولا كان يعاني من مرض الصرع منذ طفولته , و لابد ان هذه الامور مجتمعة قد ادت الى مرضه , و ربما لو مات كاليغولا اثناء مرضه هذا , لذكره التاريخ كأحد الاباطرة الرومان المحبوبين , لكن للقدر ابى الا ان يري روما الوجه الاخر لكاليغولا , فقد نهض الامبراطور و تعافى من مرضه كليا , لكنه تغيير كليا عما كان عليه , اصبح نومه قليلا جدا و تقض الكوابيس مضجعه فيهيم على وجهه داخل القصر الامبراطوري , يتنقل هاربا بين اقسامه بأنتظار الصباح , و اصبح اكثر قسوة و سادية , قام فور نهوضه من المرض بقتل عدد من افراد البلاط المخلصين له , و قام بنفي زوجته و اجبر والدها على الانتحار , كذلك قام بقتل جيمليوس , حفيد الامبراطور طبريوس و ولي العهد ,  و قام بأغتصاب زوجة صديقه السابق ماركو امام عينه و جعله قوادا عليها في احد بيوت الدعارة التي شيدها داخل القصر الامبراطوري ثم قتله شر قتلة , و قام بأجبار اشراف روما على ارسال نسائهم و بناتهم الى بيوت الدعارة هذه للعمل فيها , و اجبر الاغنياء منهم على تغيير وصاياهم و كتابة وصايا جديدة تذهب جميع ثروتهم للأمبراطور بموجبها. و رغم ان اغلب المؤرخين متفقين على ان المرض كان السبب الرئيسي للتحول الذي حدث في تصرفات الامبراطور , الا ان هناك اخرون يعتقدون بأن الطبيعة الوحشية و السادية كانت موجودة و كامنة اساسا لدى كاليغولا , فقد كان يعاني من الصرع منذ طفولته و كان يرزح تحت تأثير الكثير من العقد النفسية التي رافقت طفولته الحزينة و فقده لعائلته , فقد كان ساديا يحب التعذيب و القتل و الاغتصاب , و قد نفس عن هذه العقد عندما كان برفقة الامبراطور طبريوس في مهرجانات القتل و الجنس الجماعي التي كان يقيمها في جزيرة كابري , كما كان كاليغولا مهووسا بأنتهاك المحرمات , كانت تربطه منذ سن المراهقة علاقة جنسية محرمة مع اخواته الثلاث , و علاقته الجنسية مع اخته دورسيلا كانت على كل لسان و حديث الناس , حيث كان يعشقها و يهيم بها حبا , و كان ينوي انجاب طفل منها على طريقة الطبقة الحاكمة لدى الفراعنة في الزواج من المحارم للحفاظ على نقاء الدماء الملكية , كما كان كاليغولا يهوى اغتصاب النساء امام اعين ازواجهن و اهلهن , بل كان يجبرهم احيانا على العمل كقوادين لهن!! و لم تكن هناك امرأة جميلة في الامبراطورية تسلم من شبقه و هوسه الجنسي , كان يغتصب أي امرأة يعجب بها بغض النظر عن درجتها الاجتماعية او عائلتها او حتى قرابتها منه ثم يقتلها بعد ان يمل منها , لذلك عزيزي القاريء فأن ما سيحدث في الاعوام القادمة من حكم هذا المريض النفسي سيكون شيئا متوقعا , و ان روما التي رقصت طربا و فرحت بالأمبراطور الجديد ستشهد ايام سوداء كالحة , و ستشهد الامبراطورية كلها في سنواتها القادمة مجموعة من الاباطرة المرضى و المجانين يحكمون لأشهر او سنوات قليلة وصولا الى مجنون روما الاشهر , الامبراطور نيرون.
في عام 38 , جمع كاليغولا جميع السفن الموجودة في روما و قام ببناء جسر عليها يربط بين ضفتي مضيق نابولي , أي بطول ثلاثة اميال , ثم قام بعبور هذا الجسر ممتطيا جواده , و قد اختلف المؤرخون في الغاية من هذا العمل الجنوني , حيث ذهب بعضهم الى انه اراد ان يبر بقسم قديم قطعه على نفسه في حال اصبح امبراطورا , و اخرون قالوا انه اراد ان يتشبه بالآلهة , لكن ايا كان السبب فأن النتيجة الحتمية لهكذا عمل ضخم و للأحتفالات الصاخبة التي يقيمها الامبراطور كل يوم , و لتبذيره و اسرافه الذي لا يعرف حدودا , هو خواء خزينة الدولة من المال , و كذلك نفاذ الحبوب في المخازن لأن السفن التي كانت تستعمل لنقل الحنطة من مصر الى روما استخدمت في انشاء جسر الامبراطور في نابولي , و نتيجة لذلك حصلت مجاعة كبيرة في روما راح ضحيتها الكثيرون , و للحصول على المزيد من الاموال فقد اعاد كاليغولا فرض الضرائب على الشعب و كذلك اعاد العمل بالمحاكم التي أنشئها سلفه الامبراطور طبريوس للمحاكمة بتهمة الخيانة , و التي كان الغرض الرئيسي منها هو مصادرة الاموال و قد نقل المؤرخون رواية طريفة بهذا الخصوص , حيث اعدم كاليغولا أحد اشراف روما ثم تبين بأنه مفلس فقال متأسفا "اه .. يا للأسف , أزهقت حياته بدون فائدة".
كما ان الامبراطور افتتح الكثير من بيوت الدعارة داخل قصر الامبراطور و هو امر لم يسبقه اليه احد , و كان ريع هذه البيوت يذهب اليه , بل الادهى انه و حسب الروايات كان يؤجر حتى نساءه و اخواته لممارسة الجنس مقابل المال , و قام بترتيب مبارات القتال الدموية في حلبة المصارعة الرومانية من اجل المراهنة و القمار , و يروى ان المصارعين كانوا يرمون لنزال الاسود و النمور حتى الموت , و انه في احدى تلك المباريات و عندما لم يبقى أي مصارع ليقاتل في الحلبة , امر كاليغولا بأختيار اشخاص من المتفرجين عشوائيا و اجبرهم للنزول الى الحلبة.
و يبدو ان جنون الامبراطور لا يقف عند حد , فقد بنى بيتا فخما لحصانه المفضل , انكيتاتيوس , و البسه الثياب الفاخرة المرصعة بالجواهر , و جعل له عدد كبير من الخدم و الحاشية , و اجبر نبلاء روما و اشرافها على الحضور الى حفلات ضخمة كانت تقام على شرف الحصان , و كان يشاركه الطعام على نفس المائدة , كما كان ينوي جعل حصانه عضوا في مجلس الشيوخ الروماني لولا ان المنية سبقته.
و في الفترة الاخيرة من حكمه القصير , ادعى كاليغولا الربوبية , و طلب ان يعبد كآله , و قام ببناء معبد فخم له في روما , وضع فيه تمثالا منحوتا على هيئته من الذهب الخالص و امر الجميع بأن يعبدوه , كما قام بوضع تماثيله في معابد اليهود في القدس لكي تعبد.
و ربما تكون حملات كالغولا العسكرية ليست اقل جنونا من افعاله الاخرى , فقد قام بحملة عسكرية الى المانيا , لكنها كانت بدون فائدة و لم يخض حربا حقيقية , ثم وجه الجيش الى انكلترا , لكنه لم يعبر اليها , فعندما وصل الى قناة المانش الفاصلة بين اوربا و انكلترا , امر جنوده بأن يقوموا بجمع الاصداف البحرية على الشاطيء ثم قفل عائدا الى روما!!
في 24 كانون الثاني / يناير عام 41 للميلاد و بعد اربع سنوات من الحكم المجنون , قام الحرس الامبراطوري بأغتيال كاليغولا حيث طعن لثلاثين مرة , و قتلوا زوجته معه و هشموا رأس ابنته الصغيرة على الجدار , و هكذا انتهى و بصورة مرعبة و دموية حكم واحد من اكثر اباطرة روما جنونا.

حقائق لابد من الوقوف عندها:

الاحداث التي سردناها اعلاه موجودة في جميع الكتب التي تناولت حياة كاليغولا , كما تم تناول حياته في عدد من المسرحيات و التمثيليات و تم انتاج فلم ضخم عن حياته نهاية السبعينات الا انه لم يلاقي نجاحا كبيرا بسبب الاسراف غير المنطقي في مشاهد القتل و الدماء و الجنس , كما يمكنك عزيزي القارئ , بان تكتب كلمة (Caligula ) في أي محرك بحث للحصول على المزيد من المعلومات حول حياته و فترة حكمه , لكن و لأننا في موقع مملكة الخوف انتهجنا خطا ثابتا بتناول المواضيع التي نكتب عنها بموضوعية و حيادية و علمية في النقل و التحليل , و خصوصا الامور التاريخية التي تختلف حولها الاراء و الاجتهادات , لذلك لابد ان ننوه بأن حياة الامبراطور كاليغولا (و حتى حياة الامبراطور نيرون) هي من الامور التي اختلف حولها علماء التاريخ , فالمصادر عن فترة حكمه القصيرة قليلة جدا , و المصدريين الأساسيين المعاصرين لها هي كتابات المؤرخين فيلو و سينيكا , و الاثنان من اليهود و لذلك ينظر الكثير من العلماء الى كتاباتهم بعين الشك و ذلك لأن كاليغولا اذى اليهود كثيرا و دنس معابدهم لذلك لا يتوقع ان يكتبوا عنه بحيادية , لكن بعيدا عن نظرية المؤامرة التاريخية التي يحلو لنا كشرقيين تحليل الامور على اساسها غالبا , فأن هناك بعض الاشارات و الكتابات عن كاليغولا لمؤرخين رومان لكنها غالبا لاحقة لعصره و التي ايدت معظمها مسألة جنونه و ساديته و علاقاته الجنسية الشاذة , لكن يبدو ان تنكيل كاليغولا كان منصبا على طبقة النبلاء و لذلك كرهه هؤلاء بشدة و ربما كان لهم دور كبير في تشويه سمعته , في حين يبدو الشعب اكثر تعلقا بكاليغولا فبعد اغتياله نادت الجماهير مطالبة بالقصاص من قتلته , كما ان عهد كالغولا لم يخلو من بعض الانجازات كترميمه و بناءه لبعض المعابد و مرافق الدولة العامة , لذلك يجب ان لا ينظر لجميع ما كتب عن الإمبراطور كاليغولا على انها حقائق مسلم بها و لكنها تبقى , حالها حال غيرها من المواضيع التاريخية , قابلة للنقاش و الجدل.

mardi 4 décembre 2012

زنوبيا ملكة تدمر


من الظواهر الطبيعية البارزة والملفتة للنظر بروز شخصيات فذة على فترات متقطعة متباعدة أو متقاربة من الزمن ، ولقد كان بروز زنوبيا إحدى تلك الظواهر . برزت وسطع نجمها في أيام بعيدة وسحيقة بالنسبة لنا.لقد كانت مؤهلة لذلك البروز، كانت مؤهلة في ذاتها وشخصها ، وكانت مؤهلة في البيئة التي نشأت فيها ، واكتمل كل ذلك لها بالزواج والتدرب بل التمرس في شؤون الحكم ومسؤولياته. وتبدو زنوبيا كأنها واحدة من الأساطير ، وما أكثر الأساطير القديمة التي توارثها البشر في ذلك الزمان من مختلف الجهات والشعوب ، من الشرق ومن الغرب.

كانت عربية الأصل ، ذات شخصية قوية، تتحلى بتربية عالية ، تجيد اليونانية والآرامية  وتتكلم بهما بمثل الطلاقة التي تتكلم بها العربية ، ولم تكن تجهل اللاتينية، وله اطلاع على تاريخ الغرب بالإضافة إلى كونها قد دونت لنفسها خلاصة لتاريخ الشرق، مما يدل على سعة اطلاعها .فهي امرأة ليست كالنساء ، عاشت عظيمة وتوارت عظيمة أيضاً، إنها نموذج رائع للبشر يستحق منا الدراسة والبحث، ولهذا كله أجري هذا البحث المتواضع .

نسبها :
 

الزباء بنت عمرو بن الظرب بن حسان ابن أذينة بن السميدع السميعة المشهورة في العصر الجاهلي ، صاحبة تدمر وملكة الشام والجزيرة . يسميها الإفرنج زنوبيا، وأمها يونانية من ذرية كليوبترا ملكة مصر.

صفاتها:

كانت غزيرة المعارف ، بديعة الجمال ، مولعة بالصيد والقنص ، تحسن أكثر اللغات الشائعة في عصرها، وكتبت تاريخاً للشرق.

زنوبيا ملكة جليلة ذات رأي وحكمة وعقل وسياسة ودقة نظر وفروسية وشدة بأس وجمال فائق.كانت سمراء اللون قوية اللحظ وكانت الهيبة والجمال والعظمة تلوح على وجهها وكانت أسنانها بيضاء كاللؤلؤ وصوتها قوياً وجهوراً، وجسمها صحيحاً سالماً ، وكانت الابتسامات لا تفارقها، فعاشت بعظمة ملوكية مقلدة ملوك الأكاسرة فكانت تضع العمامة على رأسها وتلبس ثوباً أرجوانياً مرصعاً بالجواهر وكثيراً ما كانت تترك ذراعها مكشوفة. وتثقفت بالثقافة اليونانية وكانت تتكلم الآرامية والقبطية وبعض اللاتينية واليونانية ولها اطلاع واسع على تاريخ الشرق والغرب ، وكانت تقرأ هوميروس وأفلاطون وألفت تاريخاً عن مصر وآسيا

قضية الحكم:

كانت زنوبيا زوجة لأذينة سيد الشرق الروماني الذي امتدت سلطته على سورية وما يليها ولقب ملك الملوك. فاستأثر أذينة بسورية وسائر آسيا الرومانية ، وكان كثيراً ما يحارب الفرس ويردهم عن بلاده. وكان إذا خرج إلى الحرب أناب عنه في حكومة تدمر امرأته زنوبيا، حتى قيل : إن ما وصل إليه أذينة من البراعة في القيادة والدراية في تعبئة الجيوش يرجع إليها.




ولما قتل أذينة ( وتشير بعض أصابع الاتهام إليها في مقتل زوجها) اعتلت أريكة الملك باسم ابنها وهب اللات، ثم أخذت تسعى لابنها بتثبيت عرشه وتقوية الدولة التدمرية. وبعد حين ساءت العلاقات بين الإمبراطور الروماني والدولة التدمرية، فأرسل الإمبراطور بعض الكتائب الرومانية لإعادة بسط النفوذ الروماني، ولكن زنوبيا حطمت هذه الكتائب وأولتها شر هزيمة.

واستفادت من الاضطرابات في روما، فتوجهت إلى مصر تلك البلاد الغنية بالحبوب وفتحتها بكل اقتدار وبذلك عززت مكانة تدمر التجارية وجعلت علاقاتها التجارية تمتد إلى الحبشة وجزيرة العرب . ولم تقنع بمصر بل شرعت تغزو بلاداً وتفتح أوطاناً وتقهر جنوداً وتهزم جيوشاً حتى اتسعت مملكتها اتساعاً عظيماً فامتدت حدودها من شواطئ البسفور حتى النيل أطلقت عليها الإمبراطورية الشرقية.

انتقل الحكم في روما إلى الإمبراطور أورليانوس الذي بادر حالا إلى التفاوض مع زنوبيا وأوقف زحف جيوشها مقابل هبات عظيمة لها واعترف بألقاب ابنها وامتيازاته وضربت النقود في إنطاكية والإسكندرية فكانت صورة وهب اللات على وجهها الأول وعلى الوجه الثاني صورة أورليانوس.وفي خطوة تالية عهدت بملك مصر إلى ولدها وأزالت من النقود صورة الإمبراطور ونادت بالاستقلال المطلق.

وما أن اطلع أورليانوس على عمل زنوبيا هذا إلا وصب عليها جام غضبه ووطن نفسه على التنكيل بها وسحق الدولة التدمرية. عبأ جيشاً علاماً وعلى رأسه القائد بروبوس1 وبعث به إلى مصر سنة 271م ، وتولى بنفسه جيشاً آخر توجه به إلى آسيا الصغرى على أن يلتقي الجيشان في تدمر . بدأت الخطة تلاقي النجاح ، حيث احتل بروبوس مصر بدون أن يلقى مقاومة كبيرة ، أما أورليانوس فوصل أنطاكية واستطاع أن يقهر القوات التدمرية في معركة كبرى دامية مما اضطرها إلى الانسحاب إلى تدمر

النهــــاية:

تعقبهم أورليانوس نحو حمص متابعاً زنوبيا التي انسحبت إليها ، فأوقع بجيشها هزيمة أخرى ، شابهت ظروفها معركة أنطاكية ووصل تدمر وحاصرها حصاراً تاماً قضى على ما لدى التدمريين من المؤن ،وكانت قد أعدت كل ما تستطيع إعداده من وسائل الدفاع إذ وضعت على كل برج من أبراج السور اثنين أو ثلاثة من المجانيق تقذف المهاجمين بالحجارة، وتمطرهم بقذائف النفط الملتهبة، وصممت على المقاومة بشجاعة بطولية، معلنة أنه إذا كان لا بد لحكمها من النهاية فلتقترن هذه بنهاية حياتها.

عرض أورليانوس على زنوبيا التسليم لقاء شروط معتدلة: أن تنسب انسحاباً كريماً ، وأن يحتفظ مواطنوها بامتيازاتهم القديمة . لكنها رفضت شروطه بإباء وشمم، لا بل اقترن الرفض بالإهانة ، وبعد أن استبد بها اليأس ، حاولت زنوبيا الهروب ووصلت نهر الفرات إلا أنها وقعت في الأسر واقتيدت إلى أورليانوس وهو في ميدان القتال فأحسن معاملتها سنة 282م.ثم اقتادها معه إلى روما ولم يقتلها بل قتل بعض كبار قوادها ومستشاريها بعد محاكمة أجريت لهم في حمص.

وعلى أرجح الأقوال أن حياتها قد انتهت في منزل حقير في تيبور أعده لها اورليانوس، ولم يتحقق من طريقة وفاتها ، إلا أن لإحدى الروايات تقول أنها امتصت سماً وماتت به، أما بناتها فقد تزوجهن بعض أشراف الرومان.


كانت سيرتها أقرب إلى سير الأبطال من سير النساء، فلم تكن تركب في الأسفار غير الخيل، ولك تكن تحمل في الهودج، وكانت تجالس قوادها وأعوانها وتباحثهم ، وإذا جادلتهم غلبتهم بقوة برهانها وفصاحة لسانها، وكثيراً ما ضم مجلسها رجالاً من أمم شتى وبينهم وفود من ملوك الفرس والأرمن ، وكانت عادلة في رعاياها خصوصاً من العرب.

في مجالسها الاعتيادية كانت تدخل معها ابنها وهب اللات معها وعليها أفخر اللباس وعلى كتفيها المشملة القصيرة الأرجوانية، وعلى رأسها التاج ، وأوكلت تدبير أمور قصورها إلى بعض شيوخ الخصيان ، أما إذا تجولت حفت بها الفتيات من بنات الأشراف..أما عند استعراض الجند في الميادين مرت أمام الصفوف فوق جوادها وعليها لباس الحرب وعلى رأسها الخوذة الرومانية مرصعة بالدر والجوهر، فإذا رآها الناس في ذلك الموقف حسبوها آلهة من الآلهة العظام كما كان شائعاً في الأساطير اليونانية والرومانية.آثار تدمر مازالت شاهدة حتى اللحظة على ما كانت فيه من عظمة ومنعة وعز وثراء وبهاء بقيادة زنوبيا ، ولها آثار باقية في لبنان منها أقنية الماء من نهر إبراهيم إلى جبيل وكذلك من نهر قديشا إلى طرابلس ومن نهر بيروت إلى بيروت.

حقاً كانت امرأة عظيمة بكل المواصفات البشرية القديمة والحديثة ، وصارت عبرة لمن شاء أن يعتبر…